تتجه انظار اللبنانيين هذه الايام الى الزيارات الخارجية لرئيس الجمهورية التي ارادها ان تبدأ من البوابة العربية ومن المملكة العربية السعودية وقطر المعنيتين الاساسيتين باكثر من ملف لبناني ، على ان تكون محطته التالية فرنسية، وفقا للعرف التاريخي القائم، في اول زيارة له الى تلك الدولة التي استضافته لسنوات كمنفي، رغم الدعوات الى تاجيل الزيارة الفرنسية الى ما بعد الانتخابات الرئاسية في حزيران المقبل، ذلك ان الرئيس هولاند بات بحكم مصرف للاعمال مع دخول البلاد مرحلة الانتخابات والتوقعات بعودة اليمين الى الحكم.
واذا كان من غير الممكن تجاهل دلالات هذه الخطوة وأبعادها حيث تدل على الاولوية التي يحظى بها تصويب موقع لبنان على الساحتين العربية والدولية، في حسابات العهد الجديد، اذ يبدو أركانه حريصين على اعادته الى «مياهه الطبيعية» وربطه مجددا بـ«امتداده الحيوي» الخليجي والعربي، فان الزيارة الفرنسية المرتقبة تكتسب الكثير من الاهمية، بحسب اوساط متابعة، وهي بجزء منها مكملة للمباحثات التي ستشهدها الرياض، ذلك ان اللاعب الاساسي في ملف التسلح هو فرنسا، فضلا عن دورها كعراب لصفقة التسوية الرئاسية التي اوصلت الجنرال الى بعبدا ، والمستمر حتى الساعة في تسوية العقبات الناشئة في طريق الحل الذي انطلق من ملء الفراغ، وليس آخرا استضافتها لمؤتمر اصدقاء لبنان ، التي باشرت التحضيرات الجدية لتحديد موعد انعقاده، والذي ينتظر ان تصدر عنه قرارات بمساعدات تساهم بحل ازمة اللاجئين السوريين وتقدم الدعم المطلوب للاقتصاد اللبناني المهتز.
غير ان الاهتمام «البيروتي» يضاهيه اكثر منه الباريسي، اذ تكشف اوساط لبنانية ناشطة في صفوف الاحزاب المتنافسة فرنسيا، ان الملف اللبناني يحظى باهتمام واسع ويحتل مركزا بارزا في صدارة اهتمام المرشحين، وان اختلفت زاوية نظرة كل منهم، حيث يسعى المتنافسون الى «المزايدة» في هذا الخصوص، املا في حشد الفرنسيين من اصل لبناني الى جانبهم، وكذلك الناخبون الفرنسيون، في ظل القلق الذي تعيشه اوروبا هذه الايام نتيجة موجات الهجرة من دول المنطقة المأزومة والتي تحمل معها رياح التطرف الذي نتج عنها اكثر من عملية ارهابية في قلب القارة العجوز. من هنا يلعب لبنان دورا استراتيجيا في هذا المجال بعدما باتت البوابة التركية في خطر، وهو ما ترجم «استماتة» فرنسية طوال الفترة الماضية للابقاء على مظلة الاستقرار الدولية الراعية للاستقرار الامني، والتي ترجمت رفعا لدرجات التعاون الاستخباري والامني مع لبنان، فضلا عن تقديمات لوجستية للجيش تساهم في ضبط الحدود الشرقية.
من هنا تعتبر المصادر ان بيروت ستشهد للمرة الاولى في تاريخها، هجمة للمرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية الذين بدأوا باعداد حملاتهم، حيث ينتظر ان يطلقوا منها مواقف تشدد على دور لبنان الحيوي في السياسة الخارجية الفرنسية ونقطة محورية في عودة فرنسا الى المنطقة انطلاقا من العلاقات التاريخية التي جمعت الشعبين، خصوصا في مرحلة حاسمة اقليميا مع تقاسم «الجبارين» لكعكة النفوذ العالمي، والمخاوف الاوروبية من استراتيجيات الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، وسط تصاعد موجة تقدم الاحزاب المتطرفة في اوروبا.
واذا كان اليمين الوسط حدد خياره ورشّح فرنسوا فيّون في خطوة شكلت مفاجأة كبرى للفرنسيين عموما وللحزب في شكل خاص بعدما صبت كل التوقعات واستطلاعات الرأي لمصلحة آلان جوبيه، فإن اليسار يترقب نتائج الانتخابات التمهيدية الشهر المقبل على وقع تساؤلات عما اذا كانت مفاجأة اليمين ستنسحب على حزبهم في زمن المفاجآت الكبرى التي حملت دونالد ترامب الى البيت الابيض في واشنطن، فان المصادر تكشف في هذا المجال، عن ان مرشح اليسار ايمانويل ماكرون، وزير الاقتصاد الفرنسي السابق، الساعي لحسم المواجهة لمصلحته على حساب رئيس الوزراء ايمانويل فالس، مواجها بذلك فيّون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، يعتزم زيارة لبنان في النصف الثاني من الشهر الحالي لعقد اجتماعات مع المسؤولين وبعض السياسيين في اطار برنامج حملته الانتخابية التي خصص قسما منها للفرنسيين من اصل لبناني في ضوء ما اظهرته استطلاعات الرأي حول مدى تأثير الصوت اللبناني في الانتخابات الرئاسية.
من جهتها تعتزم مرشحة اليمين المتطرف ماري لوبان ان تكون لها محطة لبنانية في النصف الاول من شهر شباط، باشر فريقها الاعداد لها، حيث تعول على تحديد موعد لها مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، خصوصا ان الاستطلاعات التي اجراها فريقها الانتخابي بينت ميل «الناخب» اللبناني لصالحها.
اما فيون فكان السباق في فتح الطريق الى بيروت، اذ زار لبنان مطلع عام 2016 حاملا معه ملف مسيحيي الشرق والاوضاع التي يعانون منها، قبل ان ينتقل الى اربيل-  العراق، حيث عقد سلسلة اجتماعات مع شخصيات مسيحية مؤثرة وفاعلة في المنطقة، خصوصا ممن يشاطرونه الرؤية ازاء وضع المسيحيين في المنطقة ويجهدون على خط تثبيت وجودهم ومنع استمرار نزف الهجرة في اتجاه الخارج في ضوء قناعة تولدت لديهم ان تفريغ هذه البقعة من العالم من المسيحيين سيسقط عنها ميزة التنوع والفرادة التي تتمتع بها، منطلقا في معركته من تأييده لمطالب مسيحيي المنطقة ودفاعه عن حقوقهم في ظل موجات التكفير التي تهجرهم من ارضهم، آملا الحصول على دعم «اللوبي» الكاثوليكي، فضلا عن الخائفين من موجات الهجرة والصعود الاسلامي. وتكشف المعلومات ان برنامج فيون يرتكز الى اعادة المسيحيين الى ديارهم في العراق وسوريا وتعزيز وجودهم في لبنان مصر وفلسطين حيث انخفض عددهم الى درجة غير مسبوقة، بالتعاون مع الفاتيكان وروسيا في اطار خطة لمواجهة موجات التكفير والارهاب في مهدها.
هكذا يتحول لبنان مرة جديدة الى ورقة انتخابية، كجزء من الصراع القائم في المنطقة والدور المرسوم له في مواجهة الارهاب، بعدما نجح عسكريا وامنيا في اثبات نفسه، رغم النزيف الديموغرافي الذي يعاني منه نتيجة الازمات المتلاحقة التي يمر بها.
فهل تنجح الام الحنون في العودة الى المنطقة من البوابة اللبنانية؟ وهل تسمح لها المصالح الدولية المتقاطعة والمتضاربة على تلك الارض من تحقيق مشاريعها؟