كتب المحرر النوعي


بعد ربع قرن، تعيد «الديار» نشر ملف العماد ميشال عون «المتمرّد» من حارة حريك الى اليرزة فبعبدا فالسفارة الفرنسية.
«الديار» منذ ربع قرن رأت في العماد ميشال عون ظاهرة مميّزة في النضال من اجل مبادئه وقناعاته. وسيكتب التاريخ مسيرة هذا الرجل الذي تمكّن من الوصول الى رئاسة الجمهورية نتيجة ثوابته وتمسّكه بالقناعات الذي آمن بها.
مسيرة العماد عون حافلة بالمحطات الكبرى. «الديار» تنشر رحلة العماد مذ كان تلميذا فضابطا وقائد القطاع حتى قيادة الجيش ورئاسة الحكومة الانتقالية، حيث اجتمعت ضدّه كل القوى لانهائه.

فيما توالت ردود الفعل الشعبية المستنكرة لبيان بكركي عبر التظاهرات الشعبية الحاشدة التي عمت قصر بعبدا والمقام البطريركي وبعض السفارات، راحت نداءات وقف النار تتساقط الواحدة تلو الآخر، فيما اعلن السفير الاميركي في بيروت جون مكارثي تأييد واشنطن للبيان المذكور متحديا بذلك المشاعر الشعبية الثائرة. هكذا اتسعت موجة التظاهرات لتعم المنطقة الشرقية كلها، في الوقت الذي شهدت السفارة الاميركية تظاهرة ضخمة احتجاجا على موقف واشنطن الداعم لبيان بكركي، فيما اعلن الصباح رفضه تدويل المسألة اللبنانية. وبهدف امتصاص هذه الثورة الشعبية اعلنت اللجنة العربية انها في صدد تأليف قوة عربية الى لبنان لوقف النار وبرمجة الانتخابات والاصلاحات والانسحابات!
وفي 27/4/ 1989 عقد مجلس وزراء الخارجية العرب مؤتمرا في تونس قرر على اثره وقف اطلاق النار ورفع الحصارات وتشكيل فريق من الدول الاعضاء لمراقبة وقف النار وايفاد مراقبين، داعيا  «الاطراف اللبنانية الى التعاون» من دون اية اشارة الى الوجود العسكري السوري.
وقد اعتبر العماد عون بيان الجامعة هذا اعادة للمشكلة اللبنانية - السورية الى الاطار اللبناني - اللبناني انصياعا لارادة دمشق. غير ان وقف النار خرق بحيث منعت باخرة من افراغ الفيول في الذوق، واستمر قصف ساحلي كسروان وجبيل، وعاد الوضع الامني الى الانفجار بشكل واسع مما دفع بكركي وواشنطن الى تحميل دمشق مسؤولية التصعيد.
وبعد ايام جاء الموفد العربي الاخضر الابراهيمي مع وفد الجامعة فزار عون والحص. ولب الابراهيمي تشكيل لجنة ثلاثية تضم ضباطا من الجيش اللبناني لاجراء التنسيق الامني فأعلن العماد عون قبوله بضباط اللواء السادس تمثيل الجانب اللبناني، رافضا تسمية ضباط من جانبه لانه اعتبر ذلك فخا للاعتراف بوجود «جيشين» لبنانيين او جيش منقسم ومقتتل.
ـ قمة فاشلة ـ
في 24 ايار عقد مؤتمر قمة عربي مصغر بشأن لبنان لكنه فشل في جمع الرئيسين السوري والعراقي، وسقط اقتراح تقدم به الملك الاردني بتأليف قوة عربية الى لبنان بسبب الرفض السوري. وكانت نتائج هذه القمة التي عقدت في الدار البيضاء: عودة مصر الى الجامعة العربية وتأليف لجنة ثلاثية عليا لمتابعة حل المشكلة اللبنانية قوامها الملكان فهد والحسن والرئيس بن جديد على ان تنجز مهمتها في تأمين الانتخابات والاصلاح في خلال مهلة ستة اشهر.
وفي 29 ايار كشف النقاب في قبرص عن محاولة لاغتيال العماد عون واعتقل ستة لبنانيين عثر بحوزتهم على صواريخ سام 7.
وفيما استمر التدهور الامني جدد السيد الاخضر الاراهيمي طرحه بتأليف لجنة امنية عسكرية لبنانية - لبنانية، وكان من الطبيعي ان يرفض الجنرال هذا الطرح الذي يستبعد الجانب غير اللبناني من المشكلة، والذي ما كان الموفد العربي ليقدم عليه لولا بيان بكركي واستمرت اللجنة بجولات وزيارات مكوكية بين دمشق والسعودية والكويت وباريس ولبنان دون اي نتيجة. وفي 17 حزيران توجه البطريرك صفير الى الفاتيكان حيث لحق به الرئيس الحسيني بعد بضعة ايام وعقدا سلسلة اجتماعات اتفقا خلالها على اجراء الانتخابات والاصلاح بالتزامن.
اما واشنطن فوجهت رسالتين من بيكر الى الرئيسين عون والحص تحضهما على اجراء حوار لبناني - لبناني، فيما اعلنت اللجنة العربية العليا عزمها على دعوة النواب اللبنانيين الى خارج لبنان «للتشاور» وليس للقرار. ورد العماد على رسالة بيكر بأخرى عاصفة جدا اتهم فيها واشنطن باستمرار مؤامرتها على لبنان. كما اعلنت بغداد وقف ارسال الاسلحة الى لبنان وسط تشديد للحصار على المناطق الشرقية برا وبحرا وجوا وتصعيد في عمليات القصف اليومي. وقد اتهم العماد عون بأنه تسلم صواريخ » فروغ» عراقية فلم ينف او يؤكد، وبادر الى استدعاء سفراء الدول الخمس الكبرى ووجه رسائل حول الحصار والوضع العام في لبنان الى الشاذلي القليبي وديكويلار مناشدا فك الحصار عن الشعب اللبناني المحاصر. وكان الموفد العربي الاخضر الابراهيمي يوالي جولاته ويجتمع بالسفير الاميركي في لبنان ونزل في فندق البستان حيث «نزلت» عليه اكثر من ستين قذيفة مدفعية.
ـ اجتماع النواب  ـ  عون ـ
حيال بروز عزم اللجنة على دعوة النواب الى الطائف بهدف «اعداد ومناقشة مشروع وفاق وطني» استدعى العماد عون الى بعبدا جميع النواب والقيادات السياسية بهدف التشاور. وتم الاتفاق بين الجنرال والنواب على ثوابت اكد النواب انهم لن يفرطوا بها مهما تكن الضغوطات شديدة عليهم واهمها:
1 - لن يكون هناك اي اتفاق على اي مشروع دون موافقة العماد والتشاور معه.
2 - لن يتم اي بحث في موضوع السيادة الا بموافقة العماد، اما موضوع الاصلاحات فقد ترك لهم الجنرال حرية التصرف فيه.
3 - لن تجرى انتخابات رئاسية في الخارج.
4 -  لن يكون حضورهم الاجتماع كنواب بل كشخصيات لبنانية في اطار الحوار وتبادل وجهات النظر.
لكن العماد حذر النواب من ان «يذهبوا» هناك «بالخجل» وتبويس اللحى والضغوطات والاغراءات مما دفع الرئيس الهراوي الى القول «ما حدا بيزايد علينا بوطنيتنا وكرامتنا يا جنرال». فقال الجنرال: «اخشى اذا ذهبت انا الى هناك ومسح الملك فهد ذقنه وقال لي اتركها بدقني ان يعتريني الخجل».
وختم الاجتماع بأن حذر العماد النواب بقوله: سوف تصلون الى هناك وتجدون امامكم وثيقة ممنوع عليكم تعديل اي حرف فيها. لكنهم اكدوا انهم اسياد قرارهم وان احدا لا يستطيع فرض اي شيء عليهم.
ثم توجه النواب الى الطائف، بينما رفضت «الجبهة اللبنانية الذهاب قبل فك الحصار عن المناطق الشرقية ووقف القصف التدميري اليومي وكان الوضع الامني يزداد تفاقما والتظاهرات الشعبية المستنكرة تتواصل طوال مدة وجود النواب في المملكة العربية السعودية.
(يتبع غدا)