تتجه القوى السياسية في لبنان نحو إنتاج قانون جديد تجرى على أساسه الانتخابات النيابية التي يحين أوانها في أيار المقبل ويفترض بالتالي إجراؤها وفقا لاي قانون يتم التوافق عليه من الآن وحتى حينه، والا سيتحتم اجراؤها دستورياً وفق القانون النافذ الذي تمت على أساسه آخر عملية إنتخابات نيابية في العام 2009 والتي انتجت المجلس الحالي الذي مدد لنفسه مرتين متتاليتين متحدياً الارادتين الدولية والمحلية.
وفيما بات معروفا للجميع ان مهمة الحكومة الحالية شبه الوحيدة، والتي تم تشكيلها أساسا من أجلها هي اقرار قانون للانتخابات النيابية والاشراف عليها، مع بعض المهام الجانبية المتعلقة بتسيير شؤون الدولة، وان كل ما دون ذلك من أعمال حكومية ليس ضرورياً ولا يندرج في صلب وظيفتها الوجودية، باعتبارها حكومة انتخابات عمرها قصير وهي أشبه ما يكون بحكومة انتقالية تؤمن سيرورة الامور وتتوافق على قانون الانتخابات وتقديمه للمجلس النيابي وتنفيذ مندرجاته بعد اقراره والسهر على حسن سير الانتخابات ثم تسليم الامانة لحكومة جديدة تعكس طبيعة الاحجام التمثيلية في المجلس النيابي الجديد هي التي تتولى صياغة الحكم الجديد على أسس متماهية مع نظرة القوى الجديدة المكونة للغالبية النيابية ولمواقع النفوذ في مجلس النواب المنتخب.
انطلاقا من هذه العوامل يكشف مصدر سياسي رفيع ان الكباش الذي تشهده الساحة السياسية اليوم بهذا الصدد ليس كباشا سهلا ولن يكون، ومن المفترض ان ترتفع حدته أكثر فأكثر مع مضي كل يوم جديد، على اساس ان الجميع يتعاطى ويدرك ان معركة القانون الانتخابي هي معركة وجود سياسي، وان التوليفة التي يجري العمل عليها اليوم هي التي ستحدد احجام كل القوى السياسية في المؤسسات الدستورية العامة، وبالتالي فان ذلك سيعكس حكماً حجم الادوار السياسية التي تناط بهذه الجهة او تلك، وهو ما يعد باب الرزق السياسي لكل الجهات السياسية التي تعمل بمعظمها وفق أنظمة النفعية، وتحصر خدماتها بالانصار والمحازبين والمريدين، وهو الامر الذي يؤمن استمراريتها وتقدمها على سواها.
وانطلاقا من هذه النقطة بالذات، فان السجال حول القانون الانتخابي العتيد سيستعر ويفترض ان يترجم ذلك ارتفاعا في حدة الخطاب الاستقطابي على كل الصعد الطائفية والمذهبية والمناطقية والجهوزية وان تدثر ذلك بلباس الكلام الوطني والشعارات السياسية.
ويرى المصدر السياسي انه لو كان الامر بيد القوى السياسية المحلية وحدها لفضلت بغالبيتها الساحقة تأجيل الانتخابات النيابية والتمديد لنفسها مرة جديدة مهما حدث، إبعاداً لهذه الكأس التي يراها بعضهم مرة بمرورة العلقم مهما قصقص ورتب على هواه في تركيب الدوائر الانتخابية، لأنه يقرأ في كل التركيبات والاقتراحات الجديدة خسارة محقة تبعده عن حجمه الحالي، لكن الارادة الدولية الراعية للعملية السياسية والانمائية في لبنان تفرض على الجميع اجراء الانتخابات النيابية الموعودة في موعدها القانوني واذا كان لا بد من التأجيل من اجل احترام المهل القانونية فلا بأس بتأجيل تقني ولكن على الا يتعدى الاسابيع القليلة، باعتبار ان الانتخابات هي معبر إلزامي لأي اجراء سياسي مفترض وللحصول على أي دعم مالي او غير مالي في هذا الاطار لتأمين ديمومة الدولة والحفاظ على مرافقها العامة.
في هذا السياق، يشير المصدر الى ان الارجحية حتى الان بين الصيغ المطروحة ما تزال لاقرار القانون المختلط الذي يجمع بين النظامين الاكثري والنسبي، بحسب ما يقترح الرئيس نبيه بري وهو الذي كان تقدم باقتراح قانون يتضمن انتخاب 68نائبا على الاساس النسبي و60 نائبا على الاساس الاكثري وعلى ان يتم التأهيل طائفيا على مستوى القضاء ثم ينافس انتخابيا على مستوى المحافظة، علما ان الشق المتعلق باقتراح المناصفة بين الاكثري والنسبي، التي يتناولها بعض السياسيين والمحللين والمتابعين بسخرية فاقعة لم تقتصر على حركة امل بل يعتمدها كل من تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وحزب القوات اللبنانية، في مقارباتهم الانتخابية حيث تقدمت كل كتلة من هذه الكتل السياسية باقتراح قانون مختلف عن الاخر بالكثير من التفاصيل لكنه يتقاطع معه بالمناصفة بين النظامين النسبي والاكثري، وهو ما يدل على ان هذه النقطة بالذات هي التي تعيد استنساخ المجلس النيابي الحالي بمكوناته السياسية الى ابعد حدود واقصى ما يمكن استنساخه، وهي التي يتم الحديث بها رغم انها معادلة هجينة لا يمكن لأي قارىء سياسي ان ينظر اليها باحترام، بل ان بعض الجهات السياسية كانت وصفت هذا المقترحات بأنها «القانون الآفة» الذي يدفع اي مرشح دفعا الى استجلاب كل مفردات الحرب الاهلية ليصيغها في بيان انتخابي ويرى نفسه ملزما بالتحريض عليها.
 في ازاء ذلك لا يزال «حزب الله» متمسكاً بالنسبية الكاملة  ولا ضير عنده من مسايرة بعض الخصوصيات في هذا الصدد، ربطا بما تردد عن ان وفد الحزب الذي زار النائب وليد جنبلاط الاسبوع الماضي طمأنه ان الحزب حريص على بقاء حيثيته الانتخابية والسياسية، وان الخلاف معه حول الملف السوري لن ينسحب على الداخل اللبناني او على العلاقة السياسية بينهما بأي حال.
وعلى هذا الاساس كان تصريح رئيس الحكومة سعد الحريري امس الثلاثاء والذي اكد فيه «اننا ملتزمون باجراء الانتخابات في مواعيدها، لكن التزامنا الاكبر هو بالوصول الى قانون انتخابات جديد، وان جنبلاط لديه وجهة نظره وهو منفتح على الحوار وانا معه في هذا الامر». وعلى القاعدة نفسها اتصلت النائبة ستريدا جعجع بجنبلاط امس وأبلغته عدم قبول حزب القوات باي قانون انتخابي لا يقبل به الاشتراكي.
في ظل هذا التجاذب الكبير الذي يحصل على أرضية قانون الانتخابات النيابية العتيد، تبدو فكرة واحدة قابلة للتحقيق من شأنها ان توفق بين كل النظريات المطروحة بأقانيمها الثلاثة الاساسية، لا للتمديد للمجلس الحالي، ولا للانتخابات على اساس قانون الستين، ونعم لاجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها الدستورية، وهي أقانيم يمكن تحقيقها في حال واحدة هي ان يجتمع المجلس النيابي الحالي ويقوم بتعديل قانون الستين بما يمكّن الاقليات من التعبير عن رأيها بصورة اوضح وافضل، على ان يتضمن التعديل مادة تنص على انه يعمل بهذا التعديل لمدة سنتين وان ولاية المجلس الذي سينتخب على اساس الستين معدلا، تنتهي في 20 حزيران من العام 2019. وخلال هذين العامين ينطلق النقاش ليأخذ مداه في اقرار قانون النسبية الكامل الذي كان تقدم به وزير الداخلية السابق مروان شربل خلال العام 2011 وما يزال نائما في ادراج المجلس النيابي حتى اليوم علما انه قانون متقارب تماما مع معظم المواصفات المطلوبة اليوم.
بهذا الاقتراح يمكن اجراء الانتخابات في مواعيدها وعلى اساس الستين معدلا ولمدة سنتين فقط، اي ما يشبه التمديد الذي يسعى اليه النواب المياومون، ويمكن التأسيس لنقاش سياسي عقلاني نخبوي يفضي الى قانون عصري يحاكي القوانين الانتخابية المتطورة والمتساوية الى حد كبير، وما دون ذلك، فان الكل يحذر من ان اقرار اي قانون لا يتناسب مع العقل والمنطق سيؤسس لقلاقل، وسيؤدي الى تقديم جملة من الطعون بنتائجه، وتكون المراوحة في المكان نفسه هي عنوان المرحلة.