ترتدي زيارة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والوفد الوزاري المرافق الى السعودية أهمية قصوى، وقد وُصفت بالزيارة التاريخية بحسب مصادر الوفد المرافق، كونها تفتح صفحة جديدة من تاريخ العلاقات اللبنانية- السعودية التي تشنّجت في السنوات الأخيرة، وأدّت الى ترحيل الكثير من العائلات اللبنانية من دول الخليج العربي، كما تُشرّع الأبواب على مصراعيها في مجالات كثيرة تهمّ البلدين على الصعيد الإقتصادي والمالي والسياحي والتعاون النفطي وما الى ذلك.
فهذه الزيارة لن تُعيد للبنان فقط الهبة السعودية تضيف المصادرالتي كان سبق للمملكة أن أعلنت عنها في كانون الأول 2013، وبلغت قيمتها ثلاثة مليارات دولار مخصّصة لشراء أسلحة من فرنسا لصالح الجيش اللبناني، ثمّ قرّرت إيقافها بعد سنوات بسبب «بعض المواقف اللبنانية المناهضة لها»، بعد سلسلة معوقات حالت دون تسليمها للمؤسسة العسكرية، كما أنّها لن تُساهم فقط في أن يستعيد ما تبقّى من هبة المليار دولار المخصّصة لقوى الأمن الداخلي اللبناني التي حملها رئيس «تيّار المستقبل» سعد الحريري الى بيروت بعد غياب دام لنحو ثلاث سنوات، ولم يُدفع منها يومها مباشرة سوى نصفها، بل ستفتح الباب أمام مساعدات خارجية للجيش لا تزال تنتظر موافقة مجلس الوزراء عليها.
ففي عهد حكومة الرئيس السابق تمّام سلام، عرضت طهران، بحسب أوساط ديبلوماسية عليمة، مساعدة عسكرية للجيش اللبناني بالكميات والحاجات التي يريدها لبنان، وذكر موفد إيران يومها «أنّ الأسلحة تنتظر في المخازن إشارة من الحكومة اللبنانية». ولكن الحكومة التي شهدت انقسامات سياسية لم تُوافق على البحث في موضوع هذه الهبة، لأنّه كان لدى البعض مخاوف من أن تكون «مشروطة»، أو أن يتمّ بشكل أو بآخر، «تشريع» المساعدات العسكرية التي يحصل عليها «حزب الله» من إيران وغير ذلك من الأسباب التي حالت دون التفكير بأمرها.
غير أنّ الأمور باتت مختلفة اليوم بحسب الاوساط، فمع «تصحيح» العلاقات اللبنانية- السعودية من قبل الرئيس عون والوفد المرافق، ومن ثمّ العلاقات اللبنانية- الخليجية بزيارة قطر، وتعزيز العلاقات اللبنانية- العربية من خلال زيارة مصر والأردن، وسواها لاحقاً، فإنّه لن يكون هناك في لبنان، أصوات تعلو ضدّ زيارة رئيس الجمهورية المقبلة الى إيران، متى قرّر تلبية الدعوة التي وُجّهت اليه، أو الى سوريا أو أي بلد آخر.
كذلك فإنّ مسألة المساعدات العسكرية للجيش من قبل إيران لن توضع في وجهها العثرات قبل أن يقوم المسؤولون الإيرانيون بطرح آليتها. فاليوم يحتاج الجيش اللبناني والقوى الأمنية لأي مساعدة عسكرية تأتيه، من أي بلد يقيم لبنان علاقات جيّدة معه، ولهذا فإنّ الهبة الإيرانية ستوضع على نار حامية فور أن تقرّر حكومة الرئيس سعد الحريري دراستها ومناقشتها في مجلس الوزراء. ويبدو أنّ الأفرقاء الذين عارضوا في السابق مناقشة هذه الهبة، بدأوا اليوم يُعلنون عن قبولهم الهبات العسكرية التي يُمكن أن يحصل عليها الجيش من أي بلد لا يضع شروطاً سياسية أو غيرها على لبنان.
وكان لافتاً، بحسب الأوساط نفسها، أنّه عشية سفر الرئيس عون الى الرياض والحديث عن إعادة إحياء الهبة العسكرية للجيش، ما أكّد عليه رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني علاء الدين بروجردي عن أنّ «نيّة إيران بتسليح الجيش اللبناني راسخة، وهذا الأمر موضوع في تصرّف الحكومة اللبنانية إن شاءت أن تُفعّل الموضوع». ولعلّ كلامه هذا جدّد التأكيد على ما سبق لموفد إيران أن قاله في لبنان في فترة سابقة، ولم يلقَ آذاناً صاغية.
فالتهديد المستمرّ للبنان من قبل التنظيمات الإرهابية من جهة، ومن إسرائيل من جهة ثانية، يُحتّم على الجيش والقوى الأمنية أن يكونوا مجهّزين بالأسلحة المتطوّرة، وعلى أهبة الإستعداد للدفاع عن هذا البلد. فالمقاومة يُمكنها أن تساند الجيش وتتعاون معه في الأماكن الموجودة فيها، على ما ذكرت الاوساط، لكن لا يُمكنها وحدها أن تُغطّي المناطق الحدودية والداخلية بكاملها بمفردها. ولعلّ آخر هذه المخاوف تتجسّد فيما يتمّ التخطيط له عن حصول عمليات إرهابية في بيروت أو طرابلس وسواهما، ما حتّم على القوى الأمنية من جهة، والمقاومة من جهة ثانية، اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر.
كذلك فإنّ عودة العلاقات اللبنانية- الخليجية الى طبيعتها ستفتح مجدّداً باب الأعمال والإستثمارات بين لبنان والدول الخليجية، كما سيجعل اللبنانيين المقيمين فيها أكثر ارتياحاً الى وضعهم وعملهم فيها، على عكس ما عاشوه من توتّر وقلق في السنوات الأخيرة. وهذا الأمر سيُنعش الإقتصاد اللبناني من جديد، كما السوق النقدية والمالية من خلال الأموال التي يُرسلها المغتربون الى عائلاتهم.
وتستبعد الأوساط نفسها أن يكون التكريم الذي يحظى به الرئيس عون والوفد المرافق من قبل المملكة، فضلاً عن حسن الإستقبال والضيافة، تفتح الباب أمام هيمنة السعودية على الواقع السياسي اللبناني. فتحسين وتعزيز العلاقات شيء، والسيطرة على لبنان شيء آخر. ومع عهد الرئيس عون، بات على جميع الدول أن تفرّق بين هذين الأمرين، انطلاقاً من أنّ رئيس الجمهورية يرفض أن يتحكّم أي بلد آخر بلبنان، خصوصاً أنّه قادر على حكم نفسه بنفسه من دون أي وصاية خارجية عليه، وانطلاقاً من احترام كلّ دولة عربية للشؤون الداخلية لأي دولة أخرى، على ما ينصّ عليه ميثاق جامعة الدول العربية.
في الوقت نفسه، فإنّ نجاح زيارة الرئيس عون الى السعودية والدول العربية الأخرى، ستُشكّل بادرة خير للزيارات اللاحقة التي سيقوم بها، الأمر الذي يُعيد لبنان بقوة الى الساحة الإقليمية والدولية. وعلى ذلك، من المتوقّع أن يُسأل عن رأيه فيما يتعلّق بحلّ أزمات المنطقة، ولا سيما الأزمة السورية، كما في تداعياتها عليه، لجهة النزوح والإرهاب. فلبنان قد يكون لاحقاً مقرّراً فيما يتعلّق بالحلول الجذرية للنازحين السوريين فيه وفي دول الجوار، خلافاً لما كان موقفه عليه في السنوات الأخيرة، إمّا مرفوضاً، وإمّا غير مسموع.