«لكأنها عملية اغتيال قام بها القضاء والقدر»، شيء من هذا الكلام قاله محمد حسنين هيكل لشخصية خليجية بارزة غداة رحيل جمال عبد الناصر. الوقت لم يكن ملائماً ابداً للرحيل. هذا ما حدث، تحديداً، في وفاة علي اكبر هاشمي رفسنجاني.
لم نتمكن من لقائه في طهران حين كان رئيساً للجمهورية. التقينا احد مستشاريه، وقال لنا «قد يكون الاكثر رؤيوية في ادراك مصالح ايران التي لا يمكن، في اي حال، فصلها عن مصالح المنطقة».
وحين تم تفجير الازمة في سوريا على ىد «الاخوان المسلمين» في درعا، وهي المدينة الاقرب الى مدينة اربد الاردنية وحيث معقل الجماعة، ابدى خشيته من ان يؤدي ذلك الى تفجير المنطقة...
وعلى هذا الاساس تردد انه بعث باحد المقربين الى الرياض حاملاً رسالة الى الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي كانت تربطه به علاقة وثيقة، غير ان المتشددين داخل البلاد او خارجه ظنوا ان هذه الفرصة الذهبية (لاستعادة سوريا) ومن خلالها التحكم بالكثير من مفاصل المنطقة...
وبطبيعة الحال، ابقاء ايران على الهضبة، وبعيداً عن اللعبة الجيوسياسية، حتى لينقل عن الامير بندر قوله ساخراً «على حسن نصر الله واتباعه ان يختاروا بين ان يذهبوا بالبواخر او بالشاحنات الى ايران او الى الجحيم ان شاؤوا ذلك».
رفسنجاني لم يكن يريد البتة ان يصل الصراع بين بلاده والسعودية الى ما انتهى اليه. وكان يدرك الى اين يمكن ان تذهب بشبه الجزيرة العربية تلك «الطبقة الايديولوجية» التي وان كانت السلطة تستخدمها لاغراض شتى، فهي كانت تضع يدها عليها وتمنعها من اختراق البنى الحساسة للدولة كالحرس الوطني او الاجهزة الامنية على اختلافها...
رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام كان يعتبر ان انتقال العرش الى الملك سلمان بن عبد العزيز اخذ شكل الانقلاب. الانتقال من الديبلوماسية الهادئة، والخفية، الى الديبلوماسية الصاعقة والعلنية، بل والانتقال من اللعبة الديبلوماسية بكاملها الى اللعبة العسكرية. العنوان: مواجهة ايران في كل ارجاء المشرق العربي...
ولم يكن رفسنجاني يستسيغ لغة المحافظين المتشددين في ايران، ولطالما سعوا الى ازاحته، وحتى الى وضعه وراء القضبان. القضاء والقدر وضعه، في اللحظة الصعبة، وراء الدنيا:
كان الظهير الاساسي، والقوي، للرئيس حسن روحاني، خصوصاً في هذا الوقت الذي تقترب فيه الانتخابات الرئاسية. اوراق كثيرة في يد المحافظين يلعبوها، وبعدما بدا ان دونالد ترامب جاء الى ادارته بالجنرالات الاكثر شراسة في التعامل مع ايران، لا بل انه شخصياً، تعهد بالغاء اتفاق فيينا. انها حماقة رئيس لا بد ان يعود خطوات كثيرة الى الوراء حين يدخل الى البيت الابيض...
ولكن ها هي طائرة «الايرباص» على مسافة ايام، وربما ساعات، من التحليق فوق ايران. غداً «البوينغ»، من هنا بالذات الدخول الى العقل الاميركي دون الامتثال الميكانيكي، والمهني، له كما هي حال انظمة كثيرة في هذا العالم...
يذهب رفسنجاني الى ذلك المكان القصي، وهو  يعلم ان بلاده لن تعود الى الوراء. جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، كاد يقول بأن الغاء اتفاق فيينا يعني فتح الابواب امام آيات الله ليصنعوا القنبلة النووية ربما خلال ساعات.
روحاني لن يكون وحيداً. اكثرية الايرانيين تريد التفاعل مع القرن، دون ان يعني ذلك العودة الى سياسة الشاهنشاه. ولكن اين هي البراغماتية على ضفتي الصراع بين الرياض وطهران»؟
الان، يحكى عن خيوط سرية، مثلما دخل الجيش السوري الى حلب يدخل الجيش السعودي الى تعز. معادلة منطقية للجلوس الى الطاولة. المشكلة ان بعضهم ما زال يراهن على الخنادق التي باتت، في اللعبة السيزيفية، الوجه الآخر....للقبور!