كتب المحرر النوعي


بعد ربع قرن، تعيد «الديار» نشر ملف العماد ميشال عون «المتمرّد» من حارة حريك الى اليرزة فبعبدا فالسفارة الفرنسية.
«الديار» منذ ربع قرن رأت في العماد ميشال عون ظاهرة مميّزة في النضال من اجل مبادئه وقناعاته. وسيكتب التاريخ مسيرة هذا الرجل الذي تمكّن من الوصول الى رئاسة الجمهورية نتيجة ثوابته وتمسّكه بالقناعات الذي آمن بها.
مسيرة العماد عون حافلة بالمحطات الكبرى. «الديار» تنشر رحلة العماد مذ كان تلميذا فضابطا وقائد القطاع حتى قيادة الجيش ورئاسة الحكومة الانتقالية، حيث اجتمعت ضدّه كل القوى لانهائه.

ماذا قال عون لمكارثي
حتى خرج غاضبا من القصر؟
شخصية ديبلوماسية عرفت بقربها من العماد عون روت لـ «الديار» كيفية تعاطي الجنرال مع اعضاء السلك الدبلوماسي الخارجي. فقالت:
انطلاقا من موقفه الذي اعلنه ضد تسمية النائب مخايل الضاهر مرشحا وحيدا لرئاسة الجمهورية، نتيجة لاتفاق مورفي - الاسد، كان العماد عون يتعاطى مع السفراء الاجانب بذهنية استقلالية تحاول افهام الدول الكبرى بأن الشعب اللبناني عازم على التحرر مما كان يسميه العماد «ذهنية الرهينة». فقد كان العماد يرفض ان تظل الدبلوماسية اللبنانية مجلببة بقفازات الانصياع والامتثال المخملية. ولعل طبيعته كعسكري دفعته الى الامام اكثر مما هو مألوف في التعاطي الدبلوماسي. فكان يأتيه احد السفراء بنصيحة ما فيقول له العماد:
 يبدو انكم تصدرون الينا امرا تحت ستار النصيحة. ولا شك بأن بعض هذه النصائح كان يعتبر قاتلا بالنسبة للعماد. فكان لا يتوانى عن رفضها، ولم تخرج معظم لقاءاته بالسفير الاميركي جون مكارثي عن هذا الاطار، مما خلق نوعا من العداء المتبادل بين الرجلين.
اما مع باقي السفراء فكان العماد عون واضحا وحاسما وصريحا حتى الخروج على المألوف الديبلوماسي. لكن هذا لا يعني انه لم تكن هنالك فرص للتفاهم بين الجنرال وبعض السفراء العرب والاجانب. لكن المقاطعة التي ووجه بها لم تتح له مجال ترسيخ العلاقات الدبلوماسية مع السفراء المعتمدين. بل ان معظم هؤلاء كانوا يزورون بعبدا سرا، ويتخذون مواقف ضد الجنرال جهارا. وهذا ما كان يعمق التباعد ويثير حفيظة العماد الرافض للباطنية السياسية.
ولعل ابرز مواقف العماد الدبلوماسية تجلت في لقاءاته المتكررة بالموفد العربي السيد الاخضر الابراهيمي. دأب الجنرال دائما على احراج موفد اللجنة العربية بسؤاله كلما طرح عليه اي مشروع: «هل تقبل يا سيادة الموفد لو كنت مكاني بما تعرضه علي كلبناني»؟، وكان الابراهيمي يرد دائما: «طبعا لا، ولكن للظروف احكام يا جنرال».
واذا كان الموفد العربي قد استطاع المحافظة على اعصابه كثيرا فان السفير الاميركي جون مكارثي لم ينجح في ذلك دائما، والكل يذكر كيف ظهر هذا الاخير على شاشة التلفزيون غاضبا وهو خارج من مقابلة العماد بحيث ثارت ثائرته على احد الصحافيين (سمير قسطنطين) وظهر في تصرف بعيد عن الدبلوماسية كل البعد. ذلك ان مقابلة مكارثي - عون ذلك اليوم كانت عاصفة جدا. وما ظهر منها في الخارج لم يكن سوى جزء يسير مما حصل في الداخل. فقد سأل العماد السفير مكارثي: «هل بامكانك يا سعادة السفير ان تحدد لي تاريخا يكون فيه لبنان على جدول اهتماماتكم؟». رد مكارثي: «كلا». فسأله مجددا: «هل سبق ان كان لبنان في سلم اهتمامكم؟ ومتى كان ذلك؟ » فأجاب السفير: «كلا».
فعاد ليسأله: «في اي مرتبة من مراتب اهتمامات حكومتكم نحن اليوم؟»، فرد مكارثي: «لستم موجودين». فقال العماد: «لكننا موجودون، ونحن شعب ووطن، وان يكن ليس لنا دولة موحدة في نظركم». فقال السفير: «المسألة مسألة توافق دولي واقليمي ومصالح مشتركة. ولا ارى لكم مكانا حاليا في كل هذا». فقال العماد: «وماذا جئت تفعل عندي اذن؟»، فرد السفير: «احاول انقاذكم». فرد العماد: «ما تحاوله هو اقناعي بدخول الطائف. والطائف نهاية للبنان السيادة والديموقراطية، ونصيحتك تعني اقناعي بالقبول بالموت انا ووطني وشعبي. لذلك فأنا ارفضها». فرد السفير: «لكن رفضك لن يغير الامور». عندها وقف الجنرال وقال لزائره مكارثي: «نصيحتكم لنا ان نموت وفق توقيتكم، ونحن نريد ان تكون لنا حرية اختيار موعد دفننا... انتهت المقابلة».
لكن هذه العواصف لم تشهدها لقاءات العماد عون وسفراء فرنسا او معظم السفراء الاوروبيين الذين زاروه. بل ان جوا من المودة والتفاهم غالبا ما ساد لقاءات الجنرال بهؤلاء، لا سيما السفير الفرنسي الحالي رينيه ألا، وبصورة عامة يمكن القول ان جميع هؤلاء كانوا يقولون للعماد «معك حق، ولكن اللعبة اكبر من لبنان».
ـ مرحلة الاعداد للطائف ـ
تروي شخصية ديبلوماسية عايشت العماد عون عن قرب في مرحلة الاعداد لمؤتمر الطائف واقراره، تلك المرحلة فتقول مستندة الى وقائع واقوال اطلقها العماد عون حينذاك في مجالسه:
لم يكد «البرلمانيون اللبنانيون» يصلون الى الطائف، «لاعداد ومناقشة وثيقة وفاق وطني»، كما ورد في الدعوة قبل ذهابهم، حتى تبين مع وصولهم الى السعودية انهم مدعوون كنواب «لمناقشة واقرار وثيقة الوفاق الوطني». هذا الانقلاب اللافت اثار الرأي العام الشعبي في المناطق الشرقية كافة واعتبر فخاً، اما ان يكون النواب ذهبوا اليه بكامل ارادتهم واستدرجوا للوقوع فيه. كذلك ثارت ثائرة العماد عون اذ راح يكتشف يوما بعد يوم انسياق النواب وتنكرهم للاتفاق الذي جرى بينهم وبينه قبل ذهابهم، والذي كان ابرز بنوده انهم لن يذهبوا كنواب. ولكن ما ان وصلوا حتى قبلوا بترؤس الرئيس حسين الحسيني الجلسة معلنا ان الهدف «اقرار وثيقة الوفاق» التي لم يعرف احد حتى اليوم من اين جاءت او من كتب بنودها، كما قال العماد، وتحدى النواب واللجنة العربية ان تعلن الحقيقة اذا كان احدهم يعرفها.
كذلك كان الموفد العربي الاخضر الابراهيمي قد اكد للجنرال قبل ذهاب النواب انه ليس هناك اي وثيقة معدّة مسبقاً، بل ان النواب سيلتقون كشخصيات بهدف الحوار والتفاهم وليس كنواب، واما دعوتهم كنواب فلحصر العدد وتجنب الاحراج.
هكذا تظاهرت الوف الجماهير الى بعبدا بشكل شبه يومي وبلغ عدد احدى التظاهرات المئتي الف، وارتفعت لافتات الاستنكار والشجب ضد موقف النواب مطالبة بعودتهم الى لبنان وداعمة لمواقف العماد. ثم راحت هذه التظاهرات تتحول الى شعارات عدوانية تهديدية ضد النواب وتصفهم بالخونة وباعة الوطن. وكان الجنرال يتحدث يوميا الى الجماهير ويحث النواب على العودة الى قواعدهم الشعبية قبل الاتفاق على اي وثيقة وفاق في الخارج. واذ اخذ على العماد اللهجة التصعيدية المعادية للنواب اكد انه انما يفعل ذلك بهدف دعم موقفهم ولاعطائهم الذريعة للتحرر من الضغوطات التي قد يكونون يتعرضون لها، وبالتالي العودة الى لبنان واستفتاء الشعب حول رأيه ومطالبه في موضوع الوفاق. وكان يردد قائلاً: «اذا كانوا فعلاً يتعرضون لاي ضغط فسيتخذون من هذا الاستفتاء الشعبي الضخم ذريعة للتخلص، والا فهم متواطئون»...
اما عندما سئل الجنرال «لماذا سمحت لهم بالذهاب؟»، فأجاب: «لو منعتهم لكان كل هؤلاء المتظاهرين ضدهم في بعبدا يتظاهرون اليوم ضدي ويتهمونني بالديكتاتورية، ولما كان بامكاني ان اقول لهم وللعالم عار عليكم ان يقف جنرال بثوب مرقّط ويلقي عليكم درساً في الديموقراطية والحرية وحقوق الانسان».
غير ان كل ذلك لم يكن ليحمل النواب على العودة عن موقفهم واكملوا اجتماعاتهم في الطائف حتى اقرار وتوقيع وثيقة الطائف، التي قال بعضهم فيما بعد للجنرال انهم وقعوها لانهم خيّروهم ما بين التوقيع من دون تعديل اي حرف وبين العودة الى لغة المدفع. وكان العماد قد تحدى النواب ان يستطيعوا تعديل اي فاصلة في ورقة الطائف المنزلة عليهم ليعلن هو من بعبدا موافقته عليها. وعندما وجهت الدعوة له لحضور حفلة التوقيع قال العماد للموفد الابراهيمي «انا لا احب الكاتو ولا اسمح لنفسي بأن اشارك في وليمة طبقها لبنان».
وامام عدسات المصورين، في مؤتمر صحافي حاشد، وقف الجنرال راسما بيديه اشارته الشهيرة وهو يقول: «انا في هذا الاتجاه والطائف في الاتجاه المعاكس والمطلوب من الشعب التعبير عن موقفه».
وهكذا شهد قصر بعبدا اوسع تظاهرة وصفتها «الديار» في 5- 11- 89بـ «البحر البشري الجارف الزاحف الى بعبدا دعما لعون».
اما النواب فقد تفرقوا في العواصم الاوروبية والعربية بعدما اجمعوا على اعتبار الطائف «اتفاق الحد الادنى الممكن»، ووثيقة «لم يكن بالامكان افضل مما كان» ... وذلك بانتظار اجتماعهم ثانية لانتخاب رئيس للجمهورية كخطوة اولى في مسيرة تطبيق الاتفاق «الطائفي» المذكور.
يتبع غداً