يجري على الساحة السياسية اليوم الترويج لفكرة أنّ المكوّنات السياسية في البلد تتلكأ من جهة، وتتذرّع من جهة أخرى، بتمسّك وإصرار رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط بقانون الستين لكي تُجرى الإنتخابات على أساسه في نهاية الأشهر المتبقية من عمر الحكومة الحالية، ولا يُصار الى وضع قانون جديد، أو التوافق على أحد المشاريع المقدّمة الى مجلس النوّاب منذ سنوات.
كذلك تقوم المكوّنات السياسية في البلد، بمحاولة إحتساب ما يُمكن أن تحوزه من عدد نوّاب وعدد أصوات من قبل المقترعين، قبل الموافقة أو الإعتراض على طرح ما. غير أنّ أوساطاً سياسية عليمة، رأت أنّ القانون نفسه قادر على تغيير التحالفات، وقد يقلب الأمور رأساً على عقب، كما يقوم بتبديل الخارطة التي يضعها كلّ سياسي نصب عينيه قبل القيام بأي خطوة لناحية إيجاد قانون بديل عن قانون الستين.
والواقع ان أي قانون جديد سيتمّ التوافق عليه، بحسب رأيها، قد يُعطي نسبة معينة عن النتيجة ولصالح من ستكون غير أنّ هذه النسبة قد لا تكون صحيحة أو نهائية مئة في المئة، ولا سيما أنّه يتمّ تطبيق القانون الجديد للمرة الأولى، كما لأنّه لا يُمكن التنبؤ بالأصوات التي سيُسقطها الناخبون في صناديق الإقتراع. ولهذا فإنّ التغيير يخيف البعض انطلاقاً من عدم حصوله مجدّداً على عدد النوّاب نفسه الذي كانت تضمّه كتلته النيابية. كذلك فإنّ بعض القوانين العصرية المطروحة لا تُقيّم أهمية الزعيم بعدد نوّابه إذ نّ هذا الأمر جرى اعتماده في العقود الأخيرة، ولم يكن نافذ المفعول في عهد رجالات الدولة الكبار.
ويحاول البعض من الذين يستشفّون أنّ ثمّة تسوية حصلت منذ انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، تقضي بالتلكؤ من أجل الوصول الى موعد الإنتخابات النيابية، وإجرائها وفق قانون الستين بحجّة أنّه لم يتمّ التوصّل الى بديل عنه، التنبيه الى هذا الأمر. فسارع رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» النائب سامي الجميّل أمس للقاء رئيس «حزب الوطنيين الأحرار» النائب دوري شمعون بهدف التحذير ممّا يُطبخ في الكواليس، بحسب اعتقاده. ومع أنّ «الوطنية» تجمع ما بين النائبين المسيحيين المارونيين، غير أنّ الجميّل قرّر البقاء خارج الحكومة ومعارضتها، في حين أنّ  شمعون ورغم معارضته المسبقة لوصول العماد عون الى قصر بعبدا، فإنّه كان من بين المهنئين الذين مدّوا يدهم للتعاون مع العهد. حتى أنّ الكتائب التي قرّرت البقاء خارج «حكومة الوحدة الوطنية» لن تُعارض لمجرّد المعارضة، إنّما لتصحيح ما ترى فيه خللاً، وهذا الأمر لا يُفسد في القضية ودّاً.
وإذ تتفهّم الأوساط نفسها، خشية النائبين المذكورين على هدر حقوق المسيحيين خصوصاً، واللبنانيين عموماً، تجد أنّ محاولتهما التحذيرية سبقت بعض الشيء جلسات مجلس الوزراء. فكونه لم يتم إدراج موضوع قانون الإنتخاب على جدول أعمال جلساتها الأولى، فهذا لا يعني أنّها لن تطرحه لاحقاً لا سيما بعد نضوج مساعي المناقشة حوله، وخصوصاً أنّ القاصي والداني يعلم أنّ أولويات الحكومة الحالية مواكبة إقرار قانون جديد للإنتخابات، وهي لن تخذل اللبنانيين في نهاية الأمر.
كما تُطمئن الاوساط الى أنّ القوانين الإنتخابية المطروحة كثيرة، وليس من المستحيل التوافق على أحدها، مذكّرة بأنّ «القانون الأرثوذكسي»، على سبيل المثال، كاد ليُقرّ في فترة من الفترات، كما أنّ قانون الـ «وان مان وان فوت» استحوذ على اهتمام كتل نيابية عديدة، واليوم فإنّ الحديث عن القانون المختلط أي بين النسبي والأكثري يأخذ مجاله في النقاش الخ.. ما يعني أنّ الطريق ليس مسدوداً للبدء بالبكاء والنحيب والقول بأنّ الإنتخابات سوف تُجرى وفق قانون الستين لا محالة.
وتقول الاوساط إنّ قوانين كثيرة مطروحة اليوم، تُحافظ في المبدأ، على قانون الستين الذي جرى تعديله في «اتفاق الدوحة»، لجهة الحفاظ على عدد النوّاب مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، أكان 64 نائباً لما هي عليه حال المجلس النيابي، أو أي عدد آخر يتم الإتفاق عليه إذا ما تقرّر تقليص عدد النوّاب من 128 الى 118 أو 108 أو غير ذلك، مع إدخال بعض العناصر الجديدة التي قد تكون محاولة لتجربة النسبية في الأقضية والدوائر.
ومن هنا، فإنّ الأمل بوضع قانون جديد للإنتخاب لا يزال قائماً، والوقت ما زال كافياً لإقرار أي قانون. ولفتت الاوساط الى أنّ اقتراح النائب الجميّل بالتصويت على المشاريع الموجودة في مجلس النوّاب، يجعل أياً من القوانين يقرّ بسرعة فائقة في المجلس كما في الحكومة. المهم إذاً التوافق على وجوب وضع قانون جديد، على ما رأت، لأنّ عهداً جديداً يقوده العماد عون، لا يُمكن أن يأتي فيه مجلس النوّاب نسخة طبق الأصل عن المجالس النيابية التي سادت منذ التسعينات وحتى يومنا هذا.
كذلك فإنّ اعتماد قانون جديد يعطي كلّ طائفة حقّها، لا يعني أن يُصار الى تفصيل القانون على قياس هذا الزعيم دون ذاك، وإلاّ فإنّ المجلس النيابي سيعيد نفسه، في حين أنّ المطلوب أن يأتي ضامناً لحقوق الجميع شرط أن تكون الكلمة الفصل فيه للناخبين في صناديق الإقتراع، وليس لأي شيء آخر مثل المال أو السلطة كأساس للفوز بالإنتخابات النيابية.
فمع العهد الجديد، يجب ألا يبقى ثمّة شكّ لدى أي من المكوّنات السياسية في البلد، أو حتى لدى المواطنين، أنّ الأمور ستبقى على حالها على حدّ قول الاوساط، أو أنّه سيتم اللجوء الى قانون قد يصبح عمره 60 عاماً بعد ثلاث سنوات. والمجلس النيابي أساسي في مرافقة العهد، ولهذا يجب أن يأتي ممثّلاً فعلياً عن الناخبين ليتمكّن من تشريع كلّ القوانين والمشاريع التي تدفع بهذا البلد الى الأمام وليس العكس. وإذا ما كانت النيّة لدى الجميع بوضع قانون جديد وعصري، فإنّ المكوّنات السياسية لا بدّ وأن تجد الصيغة المناسبة للقانون المنتظر وإلقاء التذرّع والتلكؤ جانباً والبدء بطرح الصيغ المقترحة التي تتناسب أكثر من سواها مع الواقع السياسي الحالي الذي تعيشه البلاد وسط كلّ الأزمات الجارية من حولها.