لماذا يطلب دومًا من المسيحيين مراعاة طوائف محدّدة ساهمت في تهميشهم وإبعادهم عن الحلبة السياسيّة اللبنانيّة في مسرى الحديث عن قانون الانتخابات؟ هذا سؤال تطرحه أوساط مسيحيّة لم تتقوقع يومًا في حروفيات نافرة داخل المدى المسيحيّ، بل امتدّت وأطلّت نحو كلّ المكوّنات برحابة وهدوء وحكمة وانفتاح تام؟ وتذهب القراءات المتنوّعة غائصة في ثقافة الخصوصيّات المغلقة والمتقوقعة داخل هواجسها، وقد اتضح مع مرور الزمن أن فلسفة الهواجس ليست طائفيّة أو مذهبيّة بقدر ما هي شخصيّة تتمسرح فوق مسرح الطائفة وتغتذي ومنها ولا تضيف إليها شيئًا جديدًا.
تلك خبرات يتمّ البحث فيها بعد فحصها في لحظات آسرة وحاسمة في محوريتها، وتشاء تلك اللحظات أن تتجمّع في لحظة واحدة عنوانها تكوين النظام السياسيّ بقانون يفترض أن ينطلق أنموذجيًّا، تتجدّد به الرؤى، بل تتجدّد بمناهج تنسكب بنواب مخلصين يعملون على رفعة هذا البلد بسلوكيات تؤكّد دور المجلس النيابيّ في الرقابة الدقيقة والمحاسبة الصارمة، وتنطلق من مفهوم كرسه الدستور من خلال المبادئ العامّة بأن الشعب مصدر السلطات وهو صاحب السيادة على الأرض.
ينطلق النقاش نحو تحديد طبيعة القانون ووظيفته. ففي مدى التحديد يطرح سؤال جديّ هل يشاء اللبنانيون وطنهم وطن خصوصيّات طائفية تارة تتلاقى بائتلاف العناصر وتارّة أخرى تتباعد حتى التضاد والاحتراب بانفصال تلك العناصر، أو وطنًا متأسّسًا بنمط علمانيّ، منطلق من النسبيّة الكاملة والمطلقة، وفي متنه وجوفه تراعى مسألة المناصفة الفعلية. وفي تفاعل النقاش داخل الأوساط لم يتمّ الكلام في الدوائر بل فقط جاء في إطار التلازم بين النسبيّة كوسيلة لتجديد الحياة السياسيّة اللبنانيّة وضخ شرايين المجلس النيابيّ بدماء جديدة تسري وتتحوّل إلى ضياء كثيف مرتسم على وجه النظام السياسيّ، والمناصفة الفعلية الحافظة والضامنة لحقوق الطوائف في لبنان.
الغريب في هذا النقاش بأنّ أحدًا لم ينتبه إلى وظيفة القانون ومعناه ليس على مستوى الحياة السياسيّة اللبنانيّة، بل على مستوى المنطقة. قد يبدو هذا الأمر للوهلة الأولى مستغربًا في تحليل وظيفة القانون من بعد تحديد طبيعته ونوعيته وتشريح مواده. لكنّ الاستغراب لا بدّ وبحسب أوساط مشغوفة بالتاريخ أن يتبدّد في إطلالة على القرن التاسع عشر وتحديدًا أحداث 1860 التي لم تتقوقع في جبل لبنان بين المسيحيين والدروز بل امتدّت إلى دمشق أخذة منحى مسيحياً إسلامياً حيث قتل فيها الإخوة مسابكي والأب يوسف مهنّا الحداد وقد طوبته الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة قديسًا. كلّ ذلك نشأ لأنّ نظام القائمقاميتين لم يستطع ضبط الأرض، ولم ينطلق من مفهوم داخليّ قدر ما رسخته الدول وجاء الترسيخ شديد العطب فتراكمت فيه الألغام فوق بعضها حتى الانفجار، ليتسع شيئًا فشيئًا، حتى ترسّخ نظام آخر سمي بنظام المتصرفيّة الذي صمد إلى حين، حتى جاء الفرنسيون وحولوا لبنان الصغير إلى لبنان الكبير فاتسعت الدوائر كلّها. تحاول تلك الأوساط المشغوفة بالتاريخ، الإطلالة منه على الواقع الحاليّ، بالتعبير الصريح والعقلانيّ وببعد استراتيجيّ، لتقول أنّ القوانين الانتخابيّة المراعية للخصوصيّات بالتصاقها في شخصانيات متورمة إنما هو مبعث للقلق ويأخذ البلد من جديد إلى مشروع احتراب مقيت ومخيف.
وتميّز تلك الأوساط بين الخصوصيّات المعبّرة عن الشخصانيات، والخصوصيات المعبرة عن الروح التكوينيّة للكيان. وتلفت النظر الى أنّ مراعاة الحزب التقدميّ الاشتراكيّ على الرغم من كل احترام لزعيمه وليد جنبلاط يهمّش قيادات درزية لها موجوديتها القديمة أو الحديثة، وتشير إلى أنّ هذا المعطى في اتجاهه البنيويّ مثقوب ومعطوب، بسبب اختصاره الطائفيات بزعامات من دون تشجيع لتلك الطائفيّات بالاندماج على قاعدة الفلسفة الميثاقيّة التي أدّت إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهوريّة.
وتقول هذه الأوساط أنّه إذا تمّ التسليم بزعامة وليد جنبلاط بصورة آحاديّة لدروز لبنان، ولا أحد يضرب زعامته فهل تعبيره عن الخصوصيّة الدرزيّة يتمّ باندماجها ضمن تآلف جامع ما بين الخصوصيات في إطار المناصفة المبددة للهواجس كلّها وهي التعبير الأفصح عن الفلسفة الميثاقيّة، أو بإسباغ نوع من التمايز مما يشكّل بدورها حالة نافرة مع الوقت وممدودة إلى المزيد من الالتباسات المتراكمة؟
هذا سؤال مطروح على معظم من استخدم مصطلح المراعاة في هذا البحث. مطروح بالدرجة الأولى على حزب الله، وقد أعلن أمينه العام السيّد حسن نصرالله بأن مشروعه هو النسبيّة ولبنان دائرة واحدة، ومطروح على قيادتيّ تيار المستقبل والقوات اللبنانيّة في تشديدهما على المشروع المختلط وهو بحدّ ذاته مسخ وهجين ويفجّر البلد من أحشائه، وأسوا من قانون الستين. فالحزب التقدميّ الاشتراكي مع المستقبل رفضا مشروع اللقاء الأرثوذكسيّ لأنّه يشدّد على المناصفة لعيب رأوه بأن كلّ طائفة تنتخب ممثليها في المجلس النيابيّ على الرغم من أنّ القاعدة الأساسية هي النسبيّة وأخرى لبنان دائرة واحدة. والحزبان المذكوران علنًا وحركة أمل ضمنًا يرفضون النسبيّة المطلقة لأنها ستنتج طبقة نخبويّة جديدة تستوي على أرائك المجلس النيابيّ في العملين التمثيليّ والتشريعيّ، فيما تلك الطبقة تستولد نفسها وتؤكّد وزعامتها ليست على حساب «الشعوب اللبنانيّة»، بل بانقياد تلك الشعوب بثقافة غنميّة تحت ألويتها بلا سؤال أو جواب.
وفي دلالة أخرى تعرض تلك الأوساط ما يلي:
إنّ القيادات اللبنانيّة مسؤولة أمام الله والتاريخ بإنتاج قانون يحافظ على توازن لبنان وسلامه تضيف الاوساط، ولا يدخله من جديد في مشاريع احتراب تتمدّد من جديد نحو البلدان المجاورة. فسواء تمّ إقرار القانون المختلط أو تمّت العودة إلى قانون الستين أو استعمل المختلط كحجاب له، فإن ترسيخه من شأنه ان يضرب العهد الجديد بإطلالاته الساطعة والمضيئة ويجوّفه من مضمون الفلسفة الميثاقيّة، فمع انتصار ميشال عون وانتصار محور الممانعة على التكفيريين في سوريا انتصرت من جديد الفلسفة الميثاقية وانتصر أيضًا مضمون المشاركة الفعّالة بين الطوائف والأحزاب ليس في لبنان بل في المدى المشرقيّ برمته. وتخشى تلك الأوساط من ضرب الإنجازات المتحققة بهكذا نوعيّة هابطة من القوانين تعزّز الفساد على حساب الإصلاح، وقد اعتبرت أنّ الإصلاح سواء كان سياسيًّا أو إداريًّا لا يتعزّز إلاّ بقانون عصريّ جديد، وهو سيتجوّف ويتبدّد مع إعادة الاعتبار لثقافة الصفقات الناتجة من ترسيخ هذا القانون.
وينبّه رئيس الجمهوريّة السابق العماد إميل لحّود إلى المخاطر من إقرار مشاريع من هذا التوع، فإسرائيل تستعذبه وتشاؤه للبنان لإضعاف دوره في المنطقة والإجهاز عليه باستكمال الحروب فيه وعليه مثلما كادت تجهز بالقوى التكفيريّة وزرعها على المشرق العربيّ وبخاصّة في سوريا. إسرائيل لا تريد لبنان دولة علمانية أو دولة مدنيّة تترسّخ فيها الديمقراطية الطبيعيّة، وهي لا تريد في الوقت عينه سطوع هذا البلد بفرادته المسيحيّة - الإسلامية بتجانس بديع أنموذجيّ، سياسة إسرائيل قائمة على التفريق والتمزيق بين كلّ الكيانات، أفنساهم بقانون يعبّر عن رؤيتها أو نأتي بقانون يعبّر عن ذاتيتنا المنتصرة بوجه التكفير؟ ويحضّ في جلسة جمعته إلى مجموعة صغيرة نخبويّة تلتقي دوريًّا في منزله كلّ القوى السياسيّة وفي طليعتها حزب الله على عدم الانجرار خلف صراخ المهجوسين وهم غير مهجوسين بقدر ما هم فاسدون بكلّ ما للكلمة من معنى ولم ينتجوا سوى الفساد في لبنان والدولة، بل الثبات على موقف واحد موحّد عبّر عنه أمين عام حزب الله السيد نصرالله وهو قانون النسبيّة. ويؤكّد قائلاً أنّ إسرائيل التي ادركت خسارتها في لبنان أمام حزب الله وأدركتها في سوريا مع خسارة القوى التي ساهمت بزرعها، تحاول التسلّل من البوابة اللبنانيّة إلى المنطقة المشرقيّة من جديد عبر استهلاكها المباشر أو غير المباشر لقانون يوظّف من جديد في حرق لبنان بعد تمزيقه والإجهاز منه على المنطقة، فيأتي كلامه متطابقًا مع الأوساط المنطلقة من التاريخ.
ويؤكّد الرئيس لحود حرصه على العهد بتجسيد قانون عصريّ جديد. انتصار العهد يكون بهذا القانون وليس بقانون آخر. وهو يعرف أنّ صديقه ورفيق دربه في الجيش اللبنانيّ الرئيس عون لن ينزلق إلى مشاريع من هذا النوع بل سيؤكّد حضوره بقانون عصريّ يولد من رحمه لبنان جديد.