نجح الهجوم المضاد الذي شنه النائب وليد جنبلاط على خيار النسبية في إعادة تثبيت موقعه، كواحد من مالكي حق النقض «الفيتو»، في ملف قانون الانتخاب، بعدما لمس ان النقاشات الجانبية حول هذا الملف بين بعض القوى الاساسية كادت تتجاوزه، في اتجاه محاولة فرض أمر واقع عليه.
وإذا كانت الحكومة قد أقرت مرسومي النفط، من دون التوقف عند اعتراضات  جنبلاط عليهما، فان «محترفي» إدارة توازنات النظام السياسي اللبناني يدركون جيدا انه لا يمكن القفز فوق «لاءات» رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» عندما يتعلق الامر بقانون الانتخاب الذي يشكل، بالنسبة اليه، مسألة حياة او موت، بالمعنى السياسي.
وقد أظهرت الحدة التي اتسمت بها تغريدات جنبلاط الاعتراضية خلال الايام الماضية انه لا يتسلى عبر «تويتر»، ولا يمزح، وانه مستعد للذهاب أبعد مما يعتقد البعض في معركة الدفاع عن مصالحه الاستراتيجية.
وكان رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أحد الذين سارعوا الى التقاط رسائل جنبلاط وهواجسه، وهو لم يتأخر في ملاقاتها بتغريدة أكدت ان «القوات» لن ترضى بأي قانون انتخابي لا يرضى به جنبلاط، فيما تولت النائبة ستريدا جعجع الاتصال برئيس «اللقاء الديموقراطي»، لنقل التطمينات من العالم الافتراضي الى عالم الواقع.
ولكن... ما هي الاعتبارات التي دفعت معراب الى التضامن مع جنبلاط، الى حد ربط إقرار قانون الانتخاب بموافقته «الإلزامية» عليه؟
تؤكد مصادر «قواتية» مقربة من جعجع لـ«الديار» ان «القوات اللبنانية» انطلقت في موقفها من قناعتها بوجوب عدم تهميش اي من الجماعات المكوّنة للبنان، استنادا الى مبدأ ميثاقي ثابت، مشددة على انه لا يمكن انتاج استقرار سياسي حقيقي، إذا كانت احدى الجماعات المهمة تعاني من هواجس معينة وتشعر بأنها مستهدفة.
وتعتبر المصادر انه لا يجوز بأي شكل من الاشكال تجاهل شكوى مكوّن لبناني يمثل ما بين 60 و70 بالمئة من ابناء الطائفة التي ينتمي اليها، وهذا المعيار ينطبق على «الحزب التقدمي الاشتراكي» كما ينطبق على الاحزاب الاخرى التي تملك حيثية تمثيلية واسعة في بيئاتها.
وتشير المصادر المقربة من جعجع الى ان «القوات» التي عانت في زمن الوصاية السورية من قوانين انتخابية مجحفة جرى تفصيلها بطريقة استنسابية على حساب قواعد التمثيل الصحيح، تفهم جيدا ما يشعر به جنبلاط، وبالتالي لا يمكنها ان تقبل تكرار التجربة، سواء معها او مع غيرها.
وتلفت المصادر الانتباه الى ان تفهم جعجع لهواجس جنبلاط لا ينفصل ايضا عن مسار المصالحة التاريخية التي تحققت في الجبل برعاية البطريرك الماروني السابق نصرالله بطرس صفير، وجرى استكمالها من خلال التعاون السياسي بين «القوات» و«الاشتراكي»، سواء داخل 14 آذار او خارجها، الى جانب التحالف الانتخابي في الشوف، وبالتالي فإن جعجع حريص على تثبيت البعد التعايشي، الدرزي - المسيحي في الجبل، وحمايته من اي تأثير سلبي طارئ.
وتتوقف المصادر القواتية ايضا عند الدور الايجابي الذي أداه جنبلاط على مستوى الاستحقاق الرئاسي، لجهة دعم ترشيح العماد ميشال عون بعد توافق الاكثرية المسيحية حوله، وإرساله إشارات واضحة الى ضرورة عدم تجاهل مفاعيل الاتفاق بين «القوات» و«التيار الحر»، وهذا سبب إضافي يستوجب رد التحية بمثلها.
وتشدد مصادر معراب على ان المطلوب اسقاط «الستين» ووضع قانون انتخابي جديد يعكس صحة التمثيل من جهة، ويريح الطوائف من جهة أخرى، معربة عن اعتقادها بأنه لم يعد ممكنا إهمال النسبية كليا، والنقاش يدور حول معدلاتها المقبولة قياسا الى مقتضيات الواقع الحالي وحساسيته.
وتوضح المصادر ان الاتجاه هو نحو ضخ جرعة مدروسة من النسبية في عروق النظام الانتخابي، باعتبار ان القفزة من الاكثري الكامل الى النسبية الكاملة هي متعذرة، ولا بد من التدرج في الانتقال من ضفة الى أخرى.