لا تبشر المقاربات الاجتماعية التي يعتمدها القيمون على الدولة الجديدة في لبنان بأي خير يذكر. واللبنانيون ما زالوا في دوامة القلق المستبد بهم، رغم كل الوعود والاحلام بالتغيير في شكل الدولة ونقلها من نظام المحتسبيات الى نظام الرعاية.
يشير متابعون في هذا الصدد الى حتمية واهمية ضرورة المراقبة في هذه المرحلة، وافساح المجال للمسؤولين والوزراء الجدد لينفذوا رؤاهم السياسية والاجتماعية للملفات التي يتولونها، على ان تكون الاحكام النهائية والمحاسبة على النتائج وليس على النوايا، الا ان ثمة ملفات ملحة وضرورية لم تعد مقارباتها تحتمل اي خطأ يذكر ولا أي تجربة لأن من شأن أي خطأ اضافي أو حتى اي تجربة غير ناجحة ان يؤسس لانهيارات غير محمودة ولاحكام شعبية قد تكون أقسى من ان يحتمل الطاقم الحاكم تبعاتها .
الملفات التي يمكن تصنيفها في هذا الاطار كثيرة، ولكن ابرزها واكثرها تماسا مع الناس ملف الكهرباء المزمن، وهو الملف الاكثر ظلاما وسوادا في جمهورية الطائف، ولا يختلف اثنين على وصفه بالمغارة السوداء التي أمنت وتؤمن المداخيل غير المنظورة لمعظم لصوص الهيكل اللبناني، باعتبار انه استهلك حتى الان مبلغ 35 مليار دولار من موازنات الدولة ودينها العام، اضافة لما تؤمنه المؤسسة من جبايات منتظمة في هذا السياق، علما ان الجبايات وحدها تؤمن مداخيل معقولة بنظر خبراء المال والاقتصاد والكهرباء من شأنها ان تغطي انفاقات مؤسسة الكهرباء وتغطي كل عجزها المالي الناجم عن تغذية بالتيار بمعدل 24 ساعة يوميا.كما يمكن لمداخيل الجباية الكهربائية ان تسهم في تسكير عجز النفقات المالية للدولة في القطاعات الاخرى.لكنهم يريدون ابقاءها مغارة يتحكم بها لصوص الهيكل وقواه المهيمنة على الدولة لتأمين المداخيل السرية.
ومن هذا المنطلق يقرأ مصدر سياسي، في حيثيات ومستجدات الملف الكهربائي من زوايا متعددة تتقاطع بمجملها حول نقاط تؤدي الى الخروج بهذه النتيجة ومنها على سبيل المثال ان كل القوى السياسية على اختلافاتها الجذرية حول تركيبة الحكم والنظام وادارة الدولة من اصغر التفاصيل الى اكبرها، على الامساك بوزارة الطاقة التي تدير الملف الكهربائي، كما تناوبت منذ العام 1990 وحتى اليوم على تداول السلطات فيما بينها لكنها كانت متقاطعة بشأن عدد محدود جدا من الملفات المعيشية كان وما يزال ابرزها ملف الكهرباء الذي ابدى الجميع تمسكا غير مفهوم به رغم كل عثراته القاتلة ورغم كل اخفاقاته التي انعكست شللا في كل ميادين الوطن والدولة والمؤسسات، فمنذ 25 عاما لم تتمكن المؤسسة من اضاءة لبنان.. بل على العكس من ذلك ففي عهدها ظهر التقنين بأبشع أشكاله وراحت تزداد ساعاته كل مدة اكثر واكثر بشكل لم يعد يٌحتمل البتة حين وصلت ساعات التغذية في معظم المناطق الى ساعتي تغذية بالتيار يوميا ، وهذه فضيحة تضاف الى فضيحة المولدات الكهربائية التي باتت الابرز في سلسلة الفضائح النتنة في ملف الكهرباء وترفدها وتتكامل معها بشكل يؤمن المصالح المشتركة لاصحاب المولدات من جهة وللمسؤولين عن قطاع كهرباء الدولة وأساطينه الكبار من جهة أخرى، وبما يؤمن مصالح الجميع بشكل بات لا يخفى على أحد، ويقوم على قطع التيار الكهربائي عن المواطنين في معظم المناطق بشكل متعمد خلال اوقات ومواسم ذروة الحاجة اليها، بما يرفع ساعات تغذية المولدات ويرفع فاتورتها بشكل لم يعد غريبا معه القول ان اصحاب المولدات هم الذين يتحكمون بكل تفاصيل التغذية بالتيار سواء من الشركة او من مولداتهم عبر اتصالات تنسيقية مع مسؤولين في المؤسسة.
ويرى المصدر السياسي ان ما اعلن عنه وزير الطاقة سيزار ابي خليل انه يحضّر خطة لتخفيف فاتورة المواطن تمرّ بمراحل منها زيادة ساعات التغذية، ما يعني تخفيض ساعات الاعتماد على المولدات، وبالتالي تصبح الفاتورة الاجمالية التي يدفعها المواطن مخفّضة،  هي خطة تندرج في هذا الاطار بالذات وهي ترمي الى تكريس واقع الغابة في الكهرباء ومحاولات رفع الفاتورة على المواطن، ويمكن من خلالها قراءة الزيادة الفاضحة التي طرأت على ساعات التقنين من خلال قطع التيار عن المواطنين بشكل قاس جدا خلال الشهرين الماضيين، بهدف التمهيد لهذا النوع من القرارات الضرائبية التي لن تحسن التغذية بالتيار سوى لسويعات قليلة سرعان ما ستعود الى عهدها بعد مدة ستكون وجيزة على الارجح بعد ان تكون قد أدت الغرض منها وهو زيادة أسعار الكهرباء وربما بشكل جنوني، لتسكير بعض العجوزات في الصناديق السياسية السوداء.لان الخطة التي يقترحها الوزير وهو الذي يعتبر مهندس الخطة الاولى في عهد حكومة الحريري الاولى التي وعدت المواطنين باضاءة لبنان كاملا 24 ساعة يوميا خلال العام 2015 شرط حصول الوزارة في حينه على اعتماد بقيمة 300 مليون دولار للاستعانة بالبواخر المولدة للطاقة في حينه، من خلال اطلاق الحملة الاعلانية الضخمة التي عرفت يوما ب LEBANON ON  ولم يتحقق اي شيء من تلك الوعود، بل على العكس زادت العتمة وزادت ساعات التقنين وزاد قهر المواطنين اكثر.
ويكشف المصدر ان وزير الطاقة الذي يربط الزيادة باسعار فاتورة الكهرباء بتخفيض فاتورة المولدات بشكل يوحي بطبيعة الارتباط الوثيق بين الفاتورتين يتجاهل بتصريحه هذا واقعا يعرفه جيدا وهو ان معظم الدراسات التي اجريت في هذا السياق تشير الى ان نسبة المشتركين بكهرباء المولدات في كل المناطق اللبنانية لا يتعدى الـ 25 بالمئة في احسن الاحوال وان نسبة الـ 75 بالمئة المتبقية من المواطنين والمقيمين ما يزالوا يعتمدون بشكل رئيسي على كهرباء الدولة وينتظرون وصول التغذية بالتيار الكهربائي لتسيير امورهم المتعلقة بالكهرباء، وبالتالي فان الفاتورة الجديدة ستكوي هذه الشريحة من دون ان تقدم لها حلا جذريا! كما يتجاهل عملية الاصلاح في المؤسسة بما يتناسب مع الوعود المقدمة في هذا السياق على الاقل، وكل ما يفعله هو انه يحاول الاستفادة من واقع اصلاح معملين تعطلا حديثا بما سيجعلهما مؤهلين لاعادة التغذية بالتيار الى ما كانت عليه قبل اشهر اي حوالى 10 ساعات خلال الـ 24 ساعة ليقول انني اريد ثمنها زيادة في الفاتورة الكهربائية، علما ان ذلك يتناقض تماما مع شعارات الاصلاح والتغيير بل يسيئ الى نهج الرئيس عون في بداية عهده ويكرس فكرة ان كل القوى السياسية تتشابه في التسابق على ممارسة الابتزاز المعلن للمواطنين، وان عقلية النظام المتحكم بادارة الدولة ما تزال هي نفسها، وان شيئا لم يتغير بعد.