ما زالت الامور على حالها تتراوح بين المخارج المقترحة للقانون الذي ستجري على أساسه الانتخابات النيابية المستحقة في الربيع المقبل، بالتوازي مع الاولويات الاخرى والاستحقاقات الداهمة لتسيير عجلات الدولة بما أمكن في ظل هذا التناقض الجذري سياسيا ورؤوياً بين المكونات الرئيسية للحكم، والذي يعكس حقيقة التأزم الكبير في الاقليم والتباين الجذري بين السياستين الايرانية والسعودية حيال كل الملفات المتفجرة في كل من اليمن وسوريا والعراق والبحرين اضافة الى الوضع الداخلي المتعلق بحقوق الجماعات والافراد داخل السعودية نفسها .
واذا كان لبنان تمكن من خلال المصالح والتقاطعات الدولية والمحلية ان يفلت من حتمية المخططات التي كانت تتربص به وبأبنائه شرا، من خلال اقحامه في ذلك الصراع الطويل الامد، والنأي بنفسه، ما امكن، عن الشرور المستطيرة والحروب الاهلية التي تم رسمها للمنطقة، بما يحمل نُذٌر استدامتها الذاتية وانتاجها لمسوغات استمراريتها وبالوتيرة الوحشية ذاتها، ثم تمكن قبل نحو اربعة اشهر من ان يفلت مجددا من دوامة الشر تلك عبر اقتناص بعض الزعماء والسياسيين الفرصة التاريخية التي قضت بالاتفاق على انتخاب رئيس للجمهورية في مقابل تسهيل تأليف حكومة وحدة وطنية تمثلت فيها كل فرقاء الطيف السياسي في البلاد، وتمكنت حتى الان من تمرير «القطوعات» الكبيرة القاضية بالاتفاقات المعلنة على تعيينات محددة في بعض الادارات والمؤسسات الحساسة، بمعزل عن الاتفاق المنشود حول القانون الانتخابي، الذي ينظر اليه الجميع على انه حجر الرحى الذي ستتشكل من خلاله قوى النفوذ السياسي التي ستمسك بالبلاد خلال المرحلة المقبلة، وبالتالي فان الكباش حوله يبقى قائما وعلى أشده بين نظريتين باتتا واضحتين للعيان الاولى تستسيغ ترك امور البحث في القانون الانتخابي الذي سيعتمد الى حين نهاية ولاية المجلس النيابي الحالي والدخول في فراغ يحتم البحث فيه على الساخن بعد ان تكون العدة التشريعية للفرقاء السياسيين قد انتزعت منهم وزال الوهم المتمثل باعتقاد البعض انه يستطيع ان يملي ما يريد من خلال قوته النيابية داخل البرلمان والتي يفترض المرور من خلالها الى أي صيغة جديدة، وهذه النظرية يتبناها الرئيس ميشال عون وفريقه السياسي، في مقابل نظرية أخرى تتمترس بالدستور اللبناني وتعلن موقفها السياسي في هذا الاطار من خلال القول ان أي صيغة جديدة لأي قانون انتخابي جديد يجب ان تقر في المجلس النيابي الذي يجب ان يبقى قائما لهذا الغرض بهدف تشريعها دستوريا واعطائها الصبغة القانونية واخراجها رسميا من خلال اعرق المؤسسات التي يفترض انها تمثل رأي الشعب في نظام ديموقراطي ولو كانت الديموقراطية شكلية فعلا، وهذه النظرية يتبناها الفريق السياسي الاخر المتمثل حتى الان بما يمكن تسميته بتجمع القوى المتضررة من تكريس قانون انتخابي جديد سيخسرها بالحد الادنى النواب المسيحيين ضمن كتلها البرلمانية وهي احزاب المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي.
وفي ظل هذا الكباش السياسي يتعاطى رئيس مجلس النواب نبيه بري ببراغماتية عالية تجعله يرفض الفراغ في المجلس النيابي رفضا قاطعا على اعتبار ان دون ذلك مخاطر كيانية يمكن لها ان تؤسس لحالات غير محمودة العواقب، ولكنه يتريث في الانضمام الى ركب تجمع المتضررين ومؤازرتهم علانية، في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات الجارية على قدم وساق بين حركة امل والتيار الوطني الحر لإبرام تفاهم سياسي بينهما برعاية مباشرة من «حزب الله» التي تضغط قيادته بكل ثقلها لانجاز وثيقة سياسية تؤسس لتفاهم طويل الامد بين الطرفين الحليفين لها، تمهيدا لتشكيل جبهة سياسية عريضة تكون متفاهمة على كل الثوابت ومعظم التفاصيل السياسية الداخلية لمواجهة الافكار التي تعمل جاهدة على الزج بلبنان في اتون الفتنة الطائفية والمذهبية تنفيذا للاجندات التي كانت معدة للمنطقة عموما.
وفي هذه النقطة بالذات يرى مصدر سياسي ان الرئيس بري يدرك جيدا أهمية انشاء مثل هذه الجبهة السياسية وأهمية دورها بالحفاظ على لبنان، وهو بالتالي يمتنع عن الانضمام الى فريق المتضررين وإن تماهى معه برفض الفراغ النيابي، لكنه لم ينس ان هذا الفريق بالذات الذي يشكل الثنائي الحريري ـ جنبلاط رافعته السياسية هو من باعه عند اول منعطف يوم قضت مصلحتهما بانتخاب الرئيس عون رئيسا للجمهورية، ولم يتشاورا معه حتى في هذا الخصوص، وبالتالي فقد بات هو في حل من اي فكرة تحتم الاتفاق معهما  على اي تطور سياسي، ولكن من دون ان يكسر الجرة معهما على قاعدة انهما سيبقيان في المعادلة كقوتين نيابتين مؤثرتين في انتخابات رئاسة المجلس النيابي العتيد وهذه النقطة بالذات هي التي تجعله يقارب الامور بواقعية عالية ويزين الامور «بميزان الجوهرجي» لأن سعيه في هذا الاطار مع التيار العوني نفسه، ومهما توسعت اطره وعناوينه، فانه لا يخرج عن فكرة انتزاع تعهد بانتخابه مجددا على رأس المجلس النيابي العتيد، والتسليم بشركته الكاملة في السلطات التنفيذية في البلاد ومنحه الحصة الشيعة في التعيينات والتوظيفات وغيرها باعتبار ان القوة الشيعية الاخرى وهي «حزب الله» ليست معنية بأي شيء على هذا المستوى، ولا تطمح لأي محاصصة في هذا الصدد، وهي توافق ضمنيا على ان يبقى بري في واجهة التقاسم السياسي والنفعي في البلاد، انسجاما مع تركيبتها الزاهدة في تولي السلطة مباشرة والمنصرفة انصرافا تاما الى فكرة مقاومة الاعداء واذنابهم وافشال مشاريعهم الهدامة على مستوى الامة والتي تستهدف تفتيت كل الكيانات القائمة في المنطقة تمهيدا لتنفيذ الحلم الصهيوني التلمودي بإقامة دولة اسرئيل الكبرى .
من هذه الزاوية بالذات، يمكن قراءة الترابط العضوي الوثيق بين ملفات الازمات المستفحلة في المنطقة،  واسقاطاتها على الملف اللبناني. ويمكن تفهم موقف الحزب وعزوفه عن الانشغال الداخلي بما هو اشد خطرا وأدهى.