السجال الذي يحصل بشأن سلسلة الرتب والرواتب ليس الا بازاراً مفتوحاً منذ ما قبل العام 2013 على المزايدات الشعبوية والسياسية في عرف المراقبين والمهتمين.
واذا كانت القوى السياسية تتنافس على اختلافاتها وتزايد على بعضها البعض في الكلام «الودي» الذي يصل الى حد نظم قصائد الغزل في السلسلة والكلام المستدام عن «فوائدها» وارتداداتها على دورة الحياة الاقتصادية في البلاد، وترفع السقوف عالياً من خلال توزيع الوعود الهمايونية على شريحة موظفي القطاع العام والعسكر وجزء كبير من القطاع الخاص،  بهدف الكسب الشعبي والاستقطابات، مع علمهم أولا بأن الارقام التي رميت في اطار تلك الوعود كانت حتى في حينه أرقاما خيالية بكل ما تحمل الكلمة من أبعاد الخيال. وكانت وعودا تحمل في بذورها المزايدة حيث كانت فعلا اكبر من ان تحتملها طاقة الخزينة اللبنانية وكل مالية الدولة وصناديقها، اذ خيل لبعض الموظفين من الدرجات الدنيا في حينه ومن خلال احتساب العائدات المستحقة لهم جراء السلسلة كما وردت بطبعتها الاولى ان ثروة هبطت عليهم بين ليلة وضحاها وحولتهم تاليا الى أثرياء حقيقيين ونقلتهم من الفئات الكادحة والفقيرة والمتوسطة في بعض الحالات الى طبقة من الاغنياء، جراء احتساب المفعول الرجعي للسلسلة لدى كل موظف.اضافة الى سريان الرواتب الجديدة على أسس مريحة جدا من شأنها ان تجعل اي موظف يفكر تلقائياً بمشاريع جديدة يوسع من خلالها سبل عيشه بما يليق به وبأسرته ويجعله أكثر هناءة ورغداً.
في هذا السياق يقرأ مراقبون اقتصاديون في الخلاصة الاولى، ان السلسلة أوجدت أساساً في مناخ يمكن تسميته بـ «الوعود الطيارة»، او الكلام المعسول لأن الارقام التي تم الحديث عنها في هذا السياق كانت ارقاما خيالية بالفعل ولم تكن مستندة الى أي منطق اقتصادي سوى انها كانت كلاما في الهواء بدأ يترسخ ويكوي جيوب المواطنين فعليا مع موجة الغلاء في الاسعار على كل المستويات والتي اجتاحت كل السلع الاساسية بشكل جنوني ترافق مع الاعلان عنها لكنه لم يتبدد ابدا مع تلاشي سيرتها لاحقا، وهكذا كان يذهب الحديث عن السلسلة ويبقى الغلاء الفاحش في الاسعار، وتترسخ لاحقاً بما يجعل منه غلاء مقيما مع مرور الوقت.
في العام 2014 وبعيد تشكيل حكومة الرئيس ميقاتي جاء من أوعز لرابطات أساتذة في التعليم الرسمي والخاص ومعهم رابطة موظفي الدولة، وذكرهم بأنه يبحث اعطاءهم السلسلة بأرقامها المخيفة رغم تناقضها مع المنطق، وفجأة تحركت جحافل المتظاهرين وتعطل التعليم في المدارس وتحولت البلاد الى جزر متقطعة عن بعضها بفعل قطع الطرق والتظاهر والاجراءات التي وصلت في حينه الى إقفال مبنى وزارة التربية وتعطل التعليم فعليا في المدارس الرسمية والخاصة بما فرض اعتماد الافادات التعليمية بدلا من الشهادات الرسمية بشكل غير مسبوق ضرب مصداقية التعليم والشهادات اللبنانية في لبنان والخارج، بعد ان كانت شهادات محترمة وتتمتع بمصداقية عالية جدا. وفي حينه درست الحكومة السلسلة وارقامها مرتين متتاليتين ايضا وكانت تقرها وتحيلها الى المجلس النيابي الذي كان يعمد الى دراستها والتمحيص في تلك الارقام الخيالية، ليصطدم النواب باستحالة تمويلها مهما حدث، فكان يعيدها الى الحكومة ايضا بشكل باتت معه السلسلة في حينه ككرة نار يتم تقاذفها بين المؤسستين الدستوريتين على وقع ارتفاع اضافي في مؤشر اسعار كل السلع من جهة، والمزايدات المفتوحة خارج المجلس والحكومة معا والتصويت لاسقاطها في الداخل من جهة ثانية، بما اوحى منذ حينه انها لعبة توزيع ادوار سياسية ربما تكون مدروسة للوصول الى هدف رفع الاسعار بذاتها ومعها الضرائب، اذا كلما كانت السلسلة تحضر الى المجلس النيابي او الى الحكومة كانت تتخذ قرارات وترفع انواع معينة من الضرائب على الفقراء والاغنياء معا وكان يتحرك مؤشر الاسعار صعودا جنونيا مع مجرد الحديث عنها والحراك الشعبي بشأنها، قبل ان تعود فتسقط بضربات النواب المدروسة على ايقاع الخلافات المعلنة للعيان بينهم حولها، وفي ظل الاتفاق المضمر الذي كان يظهر للملأ في كل مرة يتبدد فيها الكلام عن السلسلة وتبقى الضرائب التي فرضت كقدر محتوم ويبقى الغلاء سيفا مسلطا فوق رقاب اللبنانيين، بحيث بات البلد السياحي من اغلى بلدان العالم فخسر بذلك جزءا هاما من مزاياه السياحية وخسر ثقة شعبه والمستثمرين فيه سواء كانوا من ابنائه او من الغرباء الذين هجروه الى امكنة وبلدان فيها مناخات وفرص استثمارية حقيقية، ولا تعتمد الضرائب العشوائية سبيلا لتمويل الدولة وتغذية مواردها.
وهذا بالذات ما حصل الخميس الماضي مجددا في مجلس النواب في جلسة بدا معها انها منسقة سلفا في هذا السياق واخرجت على هذا النحو، وتم فعلا التصويت على رفع ضرائب محددة على بعض السلع بشكل لم يخل من التذاكي، في حين ان التخبط العشوائي في مقاربات السلطات لسياسة فرض الضرائب وتنمية الاقتصاد من دون المس بمزاريب الهدر والفساد والسرقات الحقيقية، واضح وجلي امام الملأ سواء من فضيحة زيادة الضريبة على القيمة المضافة الى 11 بالمئة وهي زيادة تطال كل شرائح الشعب اللبناني والمقيمين وتتأثر بها كل السلع والمواد الاساسية، او من خلال الزيادات التي استحدثت على كل انواع التبغ والتنباك وبعض السلع الاخرى، والتي ستؤدي حكما الى ضخ النشاط مجددا في الاسواق السوداء والتهريب من الخارج الى لبنان، كما يحدث في كل بلدان العالم عندما يكون الفارق في اسعار بعض السلع كبيرا بالمقارنة مع اسعارها في بلدان اخرى.حيث تنشط سكك التهريب تلقائيا، وهذا ما يعرفه النواب جيدا كما يعرفون تماما ان الضرائب تسدد من جيوب كل المواطنين في القطاعات الانتاجية وغير الانتاجية في لبنان وتكويهم، في حين ان المستفيدين من السلسلة - هذا اذا اقرت فعلا- هم شريحة الموظفين وحدهم دون سواهم، وان ذلك على الارجح سينعكس اختلالا كبيرا في موازين التأييد السياسي لهم على ابواب الانتخابات النيابية، ولذلك تم الهروب من الجلسة ومن النصاب في جلستي الخميس بعد تمرير بعض الضرائب كالعادة وككل مرة يتم فيها استخدام السلسلة كجزرة لإلهاء اللبنانيين وتمرير المزيد من الضرائب دون اقرارها فعلياً!  
وليس أدل على التخبط العشوائي في هذا السياق من فرض ضريبة اضافية على مواد الاسمنت، كما تم رفع الضريبة على قيمة تخمين العقارات وبيعها، وكذلك رفعت الضريبة على رخص البناء بشكل من شأنه ان يجعل تكلفة بناء الوحدات السكنية مرتفعا جدا في لبنان في الوقت الذي تشهد فيه السوق العقارية وقطاع البناء انكماشا لم يسبق ان شهد له مثيلا من قبل، والى درجة ان القيمين على الدولة ومعهم قطاع المصارف لجأوا في الآونة الاخيرة الى عدد من الاجراءات لم يكن اقلها تخفيض الفائدة على كل انواع القروض السكنية الى 3 بالمئة لتحريك هذا الركود في ذلك القطاع الحيوي. فكيف لهذه الدولة نفسها ان تفرض ضرائب جديدة على تخمين العقارات وتراخيص البناء ومادة الاسمنت مع علمها المسبق ان ذلك يؤدي بلا شك الى اطلاق رصاصة الرحمة على قطاع البناء الذي يعاني معاناة قاسية في هذا السياق لان اي زيادات على هذا المستوى سيتم اضافتها الى اسعار الشقق والعقارات السكنية وهو ما سيزيد الجمود في السوق العقارية اكثر فأكثر وقد يؤدي الى انهيارات غير محمودة العواقب!.