يهولون ويهددون ويحاولون تخويفنا من عواقب عدم اجراء الانتخابات النيابية في موعدها وان اعتماد قانون الستين افضل من الفراغ ومن دخول البلاد في المجهول كما يضعونا بين خيارين اما الستين او اما «الله يستر شو بدو يصير». هذه المرة وفي عهد فخامة الرئيس ميشال عون، المسيحيون وبعض الطوائف الاخرى يريدون قانوناً جديداً يراعي التمثيل الصحيح ويحقق العدالة للطوائف ولطموحاتهم ولذلك ان النهج المعتمد في العهد الجديد اما قانون جديد وعادل اما «انتم (المعطلين)... الله يستركم من تداعيات قراراتكم».
هذه المرة، لا تخويف ولا المحاولات لنشر الرعب في نفوس المواطنين الاحرار ولا وضع العراقيل امام اصحاب التغيير سيجعلهم يتراجعون عن المضي قدما في معركتهم الرامية الى اقرار قانون جديد غير مترهل لا يأتي بالطبقة السياسية ذاتها ولا يهمش طائفة برمتها في حين يعزز موقع طائفة اخرى على حساب غيرها. بيد ان قانون الانتخاب هو ركيزة اساسية لاطلاق اي عملية تصحيحية للنظام اللبناني وهو حجز زاوية لمستقبل افضل يتضمن احترام العيش المشترك والسليم بين اللبنانيين.
فاذا اقر قانون الستين تحت ذريعة ضرورة المضي قدما به من اجل تجنيب البلاد فوضى وفراغاً قد يؤديان الى نتائج سلبية لا تحمد عقباها ولكن من قال ان الانتخابات على اساس الستين افضل من الفراغ؟ ومن قال ان اطرافاً لبنانية وتحديدا المسيحيين يريدون انتخابات تنتج نواباً لا يمثلون القاعدة الشعبية لهم؟ مَن قال ان المسيحيين وبعض الطوائف الاخرى ما زالوا يقبلون بالحلول الوسطى؟
منذ وصول العماد ميشال عون الى سدة رئاسة الجمهورية، تغيّر منحى الامور السياسية في البلاد واستعاد المسيحيون قوتهم من خلال وصول رئيس قوي ولذلك بات واضحا ان زمن تقديم التنازلات ثم التنازلات قد ولى وان التضحيات التي قدمها المسيحيون في الماضي والتي حولتهم الى ضحية على ارض وطنهم انقضت وباتوا يريدون التفاوض والتوصل الى حلول عادلة ومحقة. هذا لا يعني ان القوى المسيحية تتعامل بأنانية تجاه ملفات ابرزها قانون الانتخاب ولا يدل ذلك الى انها لا تريد التحاور وسلك طريق الهدوء والتعقل والمنطق والاخذ والعطاء مع الشركاء اللبنانيين انما وفي الوقت ذاته لا تريد القوى المسيحية التوصل الى قانون بالتراضي او بمعنى آخر قانون يذل بعض الطوائف.
ان الترقيع للازمات اللبنانية وترحيل الملفات وتأجيلها اوصلنا الى الحالة التي نعيشها وهي حالة يأس وركود وتعاظم للمشاكل وللازمات، من هنذا بمقدار ما له الفراغ من تداعيات سلبية بمقدار ما له الاستمرار في الذهنية القديمة منها اقرار قانون الستين انعكاسات خطيرة على العدالة في المجتمع وعلى فرصة انقاذ لبنان من الترهل الذي اصابه.
والحال ان اللبناني لم يعد يخيفه الفراغ وذلك لانه اختبر الحلول الفاشلة للواقع السياسي وهو على دراية ان عملية حصر الامور بين خراب ام انتخابات على الستين لم يعد ينطلي عليه لا بل بات يريد حلاً جذرياً يبعث الامل في نفسه ويؤكد انه بالفعل هناك ارادة وقرار لتغيير ما افسده السياسيون منذ خمسين سنة الى يومنا هذا.