اي دولة في العالم تعيش ذاك الكوكتيل من الازمات التي تتكرس فوق ظهورنا، ويتكرس فوقها حكامنا، مهراجاتنا، الذين ندعوهم الى ان يقولوا لنا اي ازمة تمكنوا من حلها او من معالجتها منذ قيام الجمهورية الثانية وحتى اليوم...
كل ما يعني وزير الخارجية الذي يفترض ان يكتب على جبينه «يا شعب الله العظيم»، لا ان يتنكر للصرخة قبل صياح الديك، ان يصل خمسون نائبا مسيحيا بأصوات المسيحين، كما لو ان النواب المسيحين الذين وصلوا بأصوات السنّة في قضاء زحلة اقل مسيحية من جبران باسيل، وكما لو ان النواب المسيحيين الذين وصلوا بأصوات الشيعة في قضاء بعبدا اقل مسيحية من امين الجميّل، وكما لو ان النواب المسيحيين الذين وصلوا بأصوات الدروز في قضاء عاليه اقل مسيحية من سمير جعجع...
ماذا تعني «اللمسات الارثوذكسية» في قانون الانتخاب سوى تفخيخ العهد منذ الايام الاولى، فهل يعلم من يعلم ان الذي في قصر بعبدا هو ميشال عون الذي وعدنا بالتغيير، لا واحداً من تماثيل الشمع التي طالما ضج بها القصر؟...
وماذا يعني تفجير لبنان، بالتشريع وبالاقتراع، لنتكرس هكذا شظايا بل وكانتونات طائفية او مذهبية، كما لو انه لا يكفينا التصدع الدراماتيكي الذي نعيشه منذ عقود، ولا افق ما دامت الطبقة السياسية، وكما اي طبقة سياسية في المحيط، تدفع بنا الى القرون الوسطى، بل وتدفع بنا الى جهنم...
كل قوانين الانتخابات التي وضعت منذ ظهور الجمهورية الثانية هي قوانين تليق بالماعز لا بالكائنات البشرية، والآن لا شيء تغير. وحين تكون الجمهورية على حافة الهاوية، بل وفي الهاوية، لا شيء يعني مهندسي المقاعد، وفي الليالي الشكسبيرية، سوى شق الطريق الى القصر. الوقت لا يزال مبكراً ايها السادة، وخناجركم التي وراء ظهوركم (انتم الحلفاء المدافعون عن المسيحية والمسيحيين) ظاهرة للعيان...
الآن، الطبقة السياسية هي التي في ازمة لانها وصلت الى الحائط. النهب المنظم, تكريس الازلام (واللصوص) والعاطلين عن العمل، في الادارات والمؤسسات والهيئات والمجالس والصناديق، في حين يهان اللبناني امام تلك الظواهر العثمانية. تريدون الدليل، صندوق الضمان الاجتماعي الذي يفترض ان يكون الاكثر شفافية، والاكثر انسانية، في التعاطي مع الناس، بات صندوق المصائب...
موظفون وينهرون اصحاب المعاملات الذين لا يجدون مكاناً للانتظار، الانتظار المهين، سوى على الادراج. وموظفون يبتزون بالجيوب المنفوخة. اسألوا الموظفين (والموظفات) الاوادم في الصندوق الذين تنزف ضمائرهم وتنزف قلوبهم. ما العمل!
من يستطيع ان يحاسب الازلام والمحاسيب، العبيد وقطاع الطرق؟ حقاً، انها جمهورية جهنم. هكذا نريح الاساقفة والائمة الذين يغرقوننا بالمواعظ حول الاخرة، ونحن نسأل: يا اصحاب السيادة، ويا اصحاب الفضيلة، قولوا لنا اولا، اين هي الدنيا؟
ازمة السلسلة، وازمة الموازنة، وازمة قانون الانتخاب، وازمة الكهرباء، وازمة الماء، وازمة الطرقات. وليد جنبلاط قال بتمويل السلسلة باستعادة الاموال من السارقين.
وليد بيك، قل لنا من هم السارقون. اذا قلت، وهذا هو المفترض سياسياً واخلاقياً، فأنا واثق من ان الشعب اللبناني سيتوجك ملك الملوك، لا ان تبقى في مأزق الحجم والدور و...القبيلة.
اشد هولاً من كل هذا. ثمة من يحذرنا من الساعة الاغريقية (اليونانية) التي تدق ابوابنا. الدين العام يتراكم (تذكروا الا ديون على سوريا ولا على اسرائيل). نحن الدولة الثالثة على لائحة الخطر في ما يتعلق بنسبة الدين العام الى الناتج المحلي، وكلام اشد حساسية عن التوأمة السيامية بين القطاع العام والقطاع المصرفي الذي اودى بدول مثل اليونان والارجنتين الى الوضع التراجيدي اياه...
الدين العام ازمة الازمات. هذه الطبقة السياسية التي احترفت الرقص داخل الحلقات المفرغة، لماذا لم تضع الاستراتيجية الخاصة باطفاء الحريق الذي قد يصل في اي لحظة الى عظامنا؟
ما يعنينا ان يصل خمسون نائباً مسيحيا الى ساحة النجمة. لا يعنينا ان يصل اصحاب الضمير، واصحاب العقل، واصحاب الرؤية. ولكن من يمثل الماعز غير الماعز؟ هذا في وصف حالنا...
حالنا؟ سبعون مليار دولار (بل مائة مليار دولار وهو الرقم الصحيح) على ظهورنا. لاحظتم بعض النظريات الفولكلورية التي تصدر عن هذا السياسي او ذاك. لا احد تناهت اليه كلمة «استراتيجية» ليصرخ: يا جماعة اننا بحاجة الى.... استراتيجية البقاء !!!