كما كان مُتوقّعًا دخل لبنان في فترة الثلاثة أشهر التي يجب أن تفصل بين سريان مفعول مرسوم دعوة الهيئات الناخبة وإجراء الإنتخابات النيابيّة، من دون التوافق على قانون جديد للإنتخابات. وأدّى هذا الواقع إلى إستنفار القوى السياسيّة لإيجاد المخرج الملائم للوضع المُستجدّ، فدعا رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى تعديل أولويّات المرحلة الراهنة، لجهة أن يتقدّم البحث عن قانون جديد مُختلف الملفّات الأخرى، بينما دعا أمين عام «حزب الله» السيّد حسن نصر الله كل القوى السياسيّة إلى تقديم التنازلات، مُحذّرًا مِمّا يُمكن أن يحصل في حال لم يتمّ الإتفاق على قانون جديد. وفي السياق عينه، عُقد ليل الأحد إجتماع مُهمّ ضمّ إلى وزير الخارجية جبران باسيل الذي سيُشارك في واشنطن في إجتماع لمُمثلي دول الحلف الدَولي ضُد الإرهاب، مُمثلين عن كل من «تيّار المُستقبل» و«حركة أمل» و«حزب الله». كما كان الموضوع الإنتخابي مدار بحث مُستفيض بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ووزير الداخلية نهاد المشنوق، وبين رئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس حزب «القوات اللبنانيّة» سمير جعجع، وقبل ذلك بين الحريري ورئيس «تيّار المردة» سليمان فرنجيّة، في خلال إجتماعات أخرى أيضًا. فهل من خرق قريب مُحتمل في ملف قانون الإنتخابات، أم أنّ الأمور ذاهبة إلى التصعيد؟
أوساط سياسيّة مُطلعة أكّدت أنّ رئيس الجمهوريّة لن يُوقّع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة إلا وفق قانون جديد، وسيحتفظ بهذا التوقيع كورقة ضغط بين يديه على مختلف الأفرقاء السياسيّين، بهدف حثّهم على الإقلاع عن سياسة المُماطلة والعمل جديًا على إيجاد المخرج المطلوب بالنسبة إلى قانون الإنتخابات، إن لم يكن عبر المُوافقة على مشاريع القوانين المُقترحة فعلى الأقل عبر طرح بدائل قابلة للنقاش، وعدم الإكتفاء بالإعتراض للإعتراض، وبتضييع الوقت وُصولاً إلى المجهول.
ولفتت الأوساط نفسها إلى أنّ «الثنائي الشيعي» الذي يرفض مُحاولات بعض الأفرقاء جرّ البلاد إلى فراغ على مُستوى السُلطة التشريعيّة، عمل في الساعات الأخيرة على تحريك البحث في قانون الإنتخابات، إنطلاقًا من الطرح الثالث الذي كان وزير الخارجية قد وزّعه على مُختلف الأطراف. وأضافت هذه الأوساط أنّ «الثنائي الشيعي» رفع إلى الوزير باسيل مطالب مُحدّدة تقضي بتوسيع مبدأ التصويت النسبي الوارد في إقتراح هذا الأخير من المُحافظات الخمس إلى لبنان دائرة واحدة، وأن يكون الصوت التفضيلي على مُستوى المساحة الجغرافية لكل دائرة إنتخابيّة وليس على مُستوى الأقضية. وأبدى «الثنائي الشيعي» مُعارضته للتصويت وفق الإنتماء الطائفي والمذهبي، بحسب ما جاء في إقتراح الوزير باسيل في ما خصّ التصويت الأكثري، وأبدى أيضًا رفضه لتفصيل أيّ دائرة إنتخابيّة وفق خلفيّات سياسيّة مُعدّة مُسبقًا للقضاء على أيّ زعامة أو شخصية، حيث إعتبر «الثنائي الشيعي» أنّ مسألة دمج دائرة زغرتا ودوائر بشرّي والبترون والكورة في دائرة إنتخابية واحدة يُمثّل مُحاولة للقضاء على زعامة آل فرنجيّة.

 تقارب إنتخابي بين «المُستقبل» و«المَردة»

وكشفت الأوساط السياسيّة المُطلعة نفسها أنّ إجتماعات ومحادثات الأيّام القليلة الماضية تضمّنت أيضًا بحثًا جدّيًا وتفصيليًا بين «تيّار المُستقبل» و«تيّار المردة» بشأن التنسيق الثنائي إنتخابيًا على إمتداد مُحافظة الشمال، حيث جرى طرح إمكان تبنّي «المُستقبل» لمرشّح لتيّار «المردة» في طرابلس، وحتى لمرشّح آخر في عكّار، إضافة إلى تجيير أصوات «المُستقبل» في البترون وغيرها إلى «المردة»، في مُقابل عمل «المردة» على السعي لدى القوى الحليفة له في الشمال عُمومًا وفي مدينة طرابلس خُصوصًا، لعدم مُواجهة اللوائح التي سيُشكّلها رئيس الحكومة في المنطقة والتي ستضمّ مروحة واسعة من القوى السياسيّة. وعلى الرغم من عدم التوصّل إلى نتائج حاسمة في هذا الموضوع الإنتخابي الدقيق، إلا أنّ مُجرّد طرحه جديًا على طاولة البحث، دفع برئيس حزب «القوات» إلى التوجّه إلى «بيت الوسط» للتشديد على أنّ إتفاقه مع «التيار الوطني الحُرّ» لإستعادة الحُضور المسيحي في الدولة اللبنانيّة، ولتحرير صوت الناخب المسيحي، لا يتعارض مع تحالف «القوات» المبدئي والإستراتيجي مع «المُستقبل» وفق العناوين التي جمعتهما سابقًا تحت شعار قوى «14 آذار».  
وختمت الأوساط السياسيّة نفسها كلامها بالتأكيد أنّ البحث في مشروع قانون الإنتخابات الجديد سيتقدّم على سواه من المواضيع الضاغطة في الأيام والأسابيع القليلة المُقبلة، مُبدية عدم توقّعها بأن تتمكّن القوى السياسيّة المُختلفة من التوصّل إلى نتائج حاسمة وتُرضي الأغلبيّة في وقت قصير، على الرغم من الدينامية المتصاعدة في هذا الملف. وأضافت الأوساط نفسها أنّ هذا الواقع سيُحتّم - كما بات معروفًا ومُعلنًا، إتخاذ قرار صعب بإرجاء الإنتخابات، وحُكمًا بالتمديد مرّة جديدة للمجلس النيابي الحالي! وتوقّعت أنّ يكون هذا التمديد قصيرًا وعلى مراحل، أيّ أن لا يتم التمديد لسنة كاملة كما يُردّد البعض، بل لبضعة أشهر، على أن يتكرّر «سيناريو» التمديد القصير زمنيًا على مراحل بقدر الحاجة، أيّ طالما البحث الخاص بإيجاد القانون الإنتخابي الجديد والمنشود لم يصل إلى خواتيمه سيتمّ التمديد مرّة تلو المرّة!