لم يبق من عمر المجلس النيابي الحالي الممدد لنفسه مرتين سوى شهرين وبضعة أيام، وهي مدة يعرف الجميع ويعلن انها غير كافية بأي معايير للاتفاق على قانون جديد للانتخابات النيابية، والتهيؤ لها واجرائها خلال الوقت الفاصل عن الموعد المفترض للعملية الانتخابية، وهذه النقطة بالذات تجعل من القوى السياسية اللبنانية بمجملها، وعلى تناقضاتها، أشبه ما يكون بشرائح وفئات مختلفة على كل شيء لكنها متقاطعة ضمنيا على التمديد للأمر الواقع لأقصى مدة متاحة، قبل الوصول الى اتفاق على قانون انتخابات نيابية، تريده كل فئة على قياسها تماما، بما يمكنها من الاستئثار بنعم السلطات وخيراتها ومردوداتها المتنوعة على مستوى النفوذ والمال والعلاقات الدولية وتوزيع المناصب الادارية والتوظيفات على المحاسيب والمقربين والى ما هنالك من منافع وتقديمات، نابعة من مفاهيم أساسية باتت مرسخة لدى الجميع وخلاصتها ان من يسيطر على مجلس النواب يستطيع ان يقسم السلطات في لبنان على هواه، والسلطات في لبنان تعني في اعراف كل القوى، مفاتيح الكنوز المثقلة بكل انواع المغانم وعلى كل المستويات.
انطلاقا من هذه الاعتبارات والنظريات فان عملية شد الحبال القائمة على القانون الانتخابي الجديد ليست سهلة، ولن تكون كذلك في المدى المنظور، بل ان الازمات المتعلقة بالاختلاف على قانون الانتخابات مرشحة للاتساع والتفاقم بحيث ان دوائرها ستتسع لتوقع خلافات عميقة داخل التحالفات السياسية القائمة في البلاد بما يعيد خلط الاوراق من جديد ويؤدي في نهاية المطاف الى تمترس كل فئة خلف مطالبها الفئوية الضيقة جدا، وربما يؤدي ذلك الى خلافات ذاتية حتى بين أبناء الخط الواحد والرؤية الواحدة، طالما ان النظرة الى الصراع على انه صراع مصالح ومغانم، ليس الا.
ومن هنا يرى مصدر سياسي ان كل ما هو مطروح حتى الان على مستوى الاقتراحات المتعلقة برسم الدوائر الانتخابية على مقاسات اشخاص وجهات سياسية محددة انما يكرس التحاصص واقتسام السلطات طائفيا ومذهبيا ويزيد من عمليات الفساد والافساد ويوغل اكثر فأكثر في تشويه صورة وجه الحكم في لبنان، كما يكرس المفاهيم السائدة لدى المجتمعات المحلية والدولية على ان القوى السياسية اللبنانية مجرد مجموعات نفعية تتقاسم الثروة الوطنية فيما بينها وتوزع فتاتها على المحاسيب والانصار، وبالتالي فان ذلك سيزيد في تعقيد الازمات المتفاقمة الناتجة عن المقاربات الضيقة الافق لدى الكثير من الجهات السياسية القائمة اليوم، والتي تعالج الكثير من المواضيع والازمات والملفات بطرق اثبتت فشلا تاما وأوصلت البلد الى كوارث حقيقية تنذر بالاسوأ على اكثر من صعيد، لكن هذه القوى لا تملك اي رؤى  بديلة يمكن ان تقدمها للوطن سوى انها متشبثة بالسلطات والمواقع القيادية مهما كلف ذلك.
من هذا المنطلق يرى المصدر السياسي ان المقاربات الشمولية لهذا الملف قد تشكل مخرجا حقيقيا من الازمات المتفاقمة، والتي جعلت اللبنانيين ييأسون من الامل بمستقبل وطنهم، وبامكانية اصلاحه، وقد وصلت غالبيتهم الى البحث عن وطن بديل، أكثر أمناً واماناً لاولادهم ولاستثماراتهم واملاكهم ، وبالتالي فقد تكون بداية الخروج من المأزق الفعلي محددة بنظرية اجراء الانتخابات النيابية على مستوى لبنان دائرة واحدة وعلى قاعدة النسبية، حيث ان ذلك يعني للناخبين انهم ممثلين في المجلس النيابي على اختلاف توجهاتهم بما يعكس احجامهم الفعلية، وانهم هم المسؤولين عن خياراتهم العامة التي اوصلت القوى المكونة للبرلمان وهو أم السلطات السياسية، فضلا عن ان ذلك يمكن ان يشكل بارقة أمل للمواطنين اللبنانيين الذين سيعتبرون انفسهم في هذه الحال «أم الصبي» وسيعتبرون ان ارادتهم الجامعة هي التي انتجت مجلسا نيابيا على مستوى لبنان كله وانهم بالتالي باتوا اكثر قدرة على المحاسبة لكل النواب الذين وصلوا باصواتهم جميعا ولا سيما النواب الذين يفشلون في ايجاد المقاربات والحلول الناجعة للازمات الوطنية الكبرى لا سيما وان الازمات التي تعتري الوطن في هذه الاثناء باتت أزمات كبيرة تاريخية ووجودية في بعض وجوهها وبالتالي تتطلب رجالا استثنائيين في وطنيتهم، وقادرون على اجتراح حلول للامراض التي باتت تهدد بنسف الكيان وانهيار هيكل الوطن فوق رؤوس الجميع.
ويرى المصدر السياسي ان لا مبرر من أي مخاوف تذكر في سياق الكلام عن جعل لبنان دائرة انتخابية واحدة، طالما ان التوازن المطلوب على المستوى الطائفي في لبنان مؤمن من خلال التقاسم بالمناصفة بين المسيحيين والمسلمين، بل على العكس من ذلك يجب ان يكون ذلك هو المطلب الاساس لكل القوى الوطنية التي تقارب الملفات الكبرى بعيون وطنية، ومن خلال نظرة شمولية تعتبر أطراف الوطن كقلبه، وملفات المناطق اللبنانية كلها أساسا في اي حلول.
وانطلاقا من هذه النقاط يعتقد المصدر السياسي ان القوى التي تطالب بجعل الانتخابات النيابية على قاعدة النسبية ومن خلال جعل لبنان دائرة انتخابية واحدة،  لن تتراجع عن مطالبها في هذا السياق لجعل الانتخابات النيابية محطة مفصلية حقيقية تهييء لورشة فعلية تخرج لبنان من أزماته التي باتت قاتلة وتعمل على استعادة الثقة به من جديد في المحافل الداخلية والخارجية على السواء لان اعادة الاعتبار للوطن وسمعته بات أكثر من ضرورة ملحة، والقانون الانتخابي المنشود يجب ان يكون خريطة الطريق الجديدة للوصول الى ذلك الهدف السامي قبل ان يسقط الهيكل فوق رؤوس من يتناتشون السلطات والمغانم.