قفزت حركة المقاومة الاسلامية «حماس» قفزة نوعية في خطابها السياسي وفاجأت المتابعين والمعنيين بالتحول الكبير في المسار السياسي الذي قام عليه مشروعها عندما ضمنت الوثيقة التي اعلنتها للمبادئ والسياسات العامة فقرة تعتبر فيها ان إقامة دولة فلسطينية مستقلة على خطوط الرابع من حزيران 1967، هي «صيغة توافقية وطنية مشتركة».
واذا كان ماجرى في هذا السياق، غير منسجم مع روحية فقرات اخرى تضمنتها الوثيقة  السياسية نفسها كماجاء في الفقرة رقم 20 على سبيل المثال التي تنص بحرفيتها على ان «لا تنازلَ عن أيّ جزء من أرض فلسطين، مهما كانت الأسباب والظروف والضغوط، ومهما طال الاحتلال». وعلى ان «حماس ترفض أي بديلٍ عن تحرير فلسطين تحريراً كاملاً، من نهرها إلى بحرها.
فإن المستجد في ذلك الخطاب السياسي جعل حماس عرضة للتقييم وللانتقاد السياسي ووضع تلك الوثيقة تحت مجهر «التشريح» السياسي لدى كل النخب والمحللين والمتابعين العرب للمشروع الفلسطيني المقاوم، ولو إنطلاقا مما أكدت عليه الوثيقة نفسها في فقرتها الرقم 35 التي نصت على ان «حماس تؤمن أن قضية فلسطين هي القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية».
فما قالته حماس في هذا الصدد لا يفسر سوى انه قفزة خطابية، لم تكن موفقة برأي الكثير من النخب السياسية، اذ ان الحركة بدت من خلالها وكأنها تلوح باستعدادها للتفريط والمساومة حتى على الثوابت التاريخية والوطنية والقومية للفلسطينيين من دون ان تحصد حتى بعض من مصداقية لدى الطرف الاسرائيلي الذي خرجت حكومته مباشرة لتقول ان حماس تحاول ان تخدع العالم بوثيقتها الجديدة... وبذلك يتأكد للحركة وللقيمين عليها ان درب التنازلات السياسية الذي تحاول سلوكه من أجل التماهي مع تموضعها الجديد على الخارطة السياسية ومحاولات «المغازلة السياسية» للغرب عموماً والتأكيد على عضويتها في المحور المنسجم مع المخططات الغربية المناوئة لمحور المقاومة الجدية للمشروع الاسرائيلي ولارسال رسالة في تلك الاتجاهات عن حقيقة انسلاخها عن هذا المحور بما لا يتناقض مع ادبياتها تناقضاً صارخاً قد يصدم جمهورها المعادي عداءا ايديولوجياً لاسرائيل وللمشاريع الغربية والاقليمية الداعمة لها دعماً اعمى.
في هذا المضمار نقرأ مع الباحث الفلسطيني فتحي كليب الذي لم ير جديدا في ما جاء في وثيقة حماس، ويقول ان ذكر في تلك الوثيقة على أهميته لجهة تطوير الخطاب السياسي للحالة الفلسطينية، لكن قضية الاعتراف بحدود عام 1967 لم يكن جديدا بمعنى انها ارض فلسطينية محتلة نصت عليها القرارات الدولية.ومثل هذا الموقف سبق وتحدث به الشيخ احمد ياسين والكثير من قادة حماس الذين طرحوا هذه الافكار في خطوات تكتيكية.وعلينا ان ناخذ في الاعتبار ان حماس قادت حكومة فلسطينية في زمن اسماعيل هنية ووافقت على بيان وزاري كان يعترف ضمناًوبشكل علني باراضي عام 1967 كاراض محتلة.
 وكيف ينظر كليب الى من يعتبرون ان هناك من يعتبر ان العكس هو الصحيح بمعنى ان هذا التطور في خطاب حماس هو تنازل وتفريط بأراضي العام 1948 واكتفاء بفلسطين ضمن حدود اراضي الـ1967 يقول : بدورنا لا نفهم هذه القضية على انها هكذا. فأراضي عام 48 تدخل ضمن المواقف الاستراتيجية العامة، اما اراضي 67 فقد تستخدم لاغراض تكتيكية مباشرة، كأن تقدم حماس نفسها الى الادارة الاميركية والاتحاد الاوروبي مثلا باعتبارها شريكا مرغوبا فيه هذا هو الاطار العام للخطاب.
نسأله عن دور الحكومات الداعمة لحماس في تموضعها الجديد وعن رغبة الحلفاء الجدد على مستوى المنطقة في هذا الخطاب المستجد والمتماهي مع رؤية هذا المحور لملفات المنطقة فيجيب ان حماس تستجيب لتحالفاتها الاقليمية والدولية باعتبارها جزءا من حركة الاخوان المسلمين كما تعرفون، والمعروف ان الادارة الاميركية والاتحاد الاوروبي زادوا من ضغوطهم خلال الفترة الماضية على حركة الاخوان في المنطقة عموما، وان كانت الورقة التي قدمتها حماس تعود النقاشات الاولية فيها الى ما قبل العام 2010 لكن جرى تأخير الاعلان عنها نتيجة ما حصل من صراعات اقليمية. والشيء الطبيعي ان حركة حماس عندما تنتمي الى محور المقاومة الممتد من ايران الى سوريا والى المقاومة في لبنان فمن الطبيعي ان يكون موقفها منسجما مع هذا المحور وعندما تنتمي حماس الى المحور الممتد من تركيا الى قطر فمن الطبيعي ايضا ان يكون الخطاب منسجما مع هذا المحور، ونحن لدينا الكثير من التحفظات على السياسة التركية تجاه قضية الصراع مع اسرائيل وآخرها اتفاق التطبيع الذي أنهى ذيول ومفاعيل مشكلة سفينة مرمرة.
هل يعتبر كليب ان حماس غيرت بهذه الوثيقة موقفها جذريا من قضية الصراع المسلح مع اسرائيل؟ يجيب : لا اعتقد ان هذه الوثيقة ستغير من وجهة حماس باعتبارها حركة تتبنى المقاومة المسلحة، ولكن على المدى الطويل فان هذه الوثيقة ستؤسس لدخول حركة حماس الى لعبة السياسة باعتبارها شريكا مقبولا ومرغوبا فيه من القوى العالمية. وحماس ليس بمقدورها ان تتخلى عن العمل العسكري ولا تستطيع ان تلعب هذا الدور ، حتى ولو كانت ترغب بذلك فانها يستحيل ان تذكر ذلك وتوثقه في وثيقتها  السياسة ، والموجود في قطاع غزة اليوم هو مقاومة دفاعية ، وعندما تشن اسرائيل أي عدوان على القطاع فإن جميع الفصائل الفلسطينية ستساهم في التصدي للعدوان وتتشارك في اطلاق الصواريخ والمواجهة كما حصل في العام 2014.