ضحية جديدة أضيفت الى لائحة من لوائح ضحايا الانتظار عند ابواب المستشفيات في لبنان.
م. ط، إبنة بلدة شمسطار، التي قضت قبل يومين وهي تنتظر اتصالا من احد مستشفيات جبل لبنان يبلغها فيه موافقة الادارة على ادخالها لاجراء عملية قلب مفتوح، كان ذووها والمقربون منهم واصدقاء العائلة بذلوا جهودا كبيرة لادخالها الى احد المستشفيات وفشلوا علما ان كل الاطباء الذين عاينوها حكموا بخطورة حالتها وبضرورة اخضاعها لعملية جراحية فورية وأفادوا بأن وضعها الصحي لا يحتمل أي تأجيل، ويستدعي الشروع الفوري بالجراحة، بمن فيهم الاطباء المعنيون في المستشفى نفسه الذي وضعها على لائحة الانتظار !.
وعلى الارجح ان ما حصل في هذا الاطار لم يعد مستغرباً ولا مستهجنا في ظل تكرر الحالات المشابهة عند ابواب الغالبية الساحقة من مستشفيات لبنان التي باتت تشهد بمجملها حالات موت شبه يومي عند ابوابها لمرضى لا ذنب لهم سوى انهم يعيشون في دولة لا تحترم فيها القوانين ولا يقام اي اعتبار لانسانية الانسان، ولا تسري عليها وفيها حتى انظمة شريعة الغاب، ولا يقيم اي قطاع اي وزن او اعتبار للكرامة البشرية او لحكم القانون.
يؤكد مصدر مواكب لهذه القضايا ان ذريعة عدم وجود سرير شاغر في المستشفى تستخدم يوميا الاف المرات في كل مستشفيات لبنان ، وفي وجه الجميع الى درجة انها باتت عبارة لازمة تقال لأي مريض يحتاج لاستشفاء في مرحلة الطوارئ عند علمهم بعدم وجود جهة ضامنة له، ومن دون مراجعة الادارة او الاستعلامات او مكاتب الدخول المعنية بمثل هذه الحالات في كل مستشفيات لبنان الرئيسية وذلك يعني ان كل المرضى على حساب وزارة الصحة هم بلا استشفاء عملياً، رغم كل الموازنات الضخمة التي ترصد في الموازنات السنوية التي توزعها الدولة على المستشفيات على شكل جوائز ترضية، فما هي الجدوى من توزيع تلك المبالغ الطائلة التي تصل الى 87 بالمئة من موازنة وزارة الصحة العامة في لبنان، وهي بمئات المليارات، اذا كانت المستشفيات لا تلتزم بالحد الادنى المطلوب منها انسانيا في هذا السياق ولا تستجيب لمندرجات الانظمة المرعية الاجراء في القوانين المتعلقة بالصحة العامة. ولماذا مكتوب على اللبنانيين ان يعيشوا تحت رحمة المستشفيات التي تتقاضى منهم كامل أجور استشفائهم وأكثر من خلال الهامش المتروك لها بحرية تقاضي مبلغا يوازي 30بالمئة من المريض نقدا من قيمة المبلغ الذي يسجل على وزارة الصحة عموما؟ علما ان غالبية ما يقيد في هذا السياق يندرج في اطار الفضائح الحقيقية ، لان معظم العمليات التي تسجل على وزارة الصحة في ملف أي مريض ويتم تقاضي 30 بالمئة من قيمتها نقداً، انما تتم من دون أي رقابة جدية عليها، بل ان المراقبين لحساب وزارة الصحة على هذه المستشفيات والفواتير غالبا ما يكونوا من الموظفين العاملين لدى ادارة المستشفى نفسها! وينظمون كل تقاريرهم وفواتيرهم على اساس مطابقة فواتير المستشفى، وهناك اعداد كبيرة من الفضائح التي تم اكتشافها سابقا في هذا الاطار، ولكن تمت لفلفتها باعتبار ان كل مستشفى من المستشفيات الخاصة الكبيرة في لبنان تخص جهة سياسية نافذة ، والمستشفيات المستقلة الخاصة سقطت وتم اقفالها منذ أمد بعيد.
وربطا بذلك فان المعايير المعتمدة في وزارة الصحة لتحديد السقف المالي لكل مستشفى لا يمكن ان يعرفها احد، حيث يجمع كل العارفين بخبايا الامور ان السقوف المالية لأي مستشفى تصدر بقرار وزير ، وبذلك تكون الاستنسابية هي سيدة الموقف، وهو بالذات ما يشجع المستشفيات الكبيرة والمدعومة على القول دائما والتذرع بانها استنفدت السقف المالي المحدد من الوزارة ولم يعد لديها أسرَّة على حساب الوزارة، وهذا بالذات ما يتيح لأي مستشفى وأي طبيب ان يفتح بازار المبالغ الاضافية التي يطلبونها من ذوي المريض مباشرة والتي تصل الى عشرات الاف الدولارات احيانا، كما تردد ان بعض اطباء القلب تحديدا يطلبون مبلغ30 الف دولار اميركي من اي مريض سيتولون معاينة استشفائه قبل ادخاله الى المستشفى التي يريدها! وهذا ما تكرس فعليا منذ مدة طويلة مع معظم مستشفيات لبنان التي لم تعد تهتم عملياً لاستقبال أي مريض لبناني ولو كان على حساب أي جهة ضامنة ، ولا سيما بعد ان تحولت المستشفيات اللبنانية بغالبيتها الساحقة الى مقصد المرضى الكويتيين والعراقيين تحديدا ممن تعج بهم مستشفيات العاصمة وحولها منذ مدة طويلة وبعض المرضى من الجنسيات الخليجية الاخرى والسوريين من الذين يخضعون لعمليات جراحية واستشفائية على حساب الصناديق الاممية التي تسدد فواتيرهم بسخاء، وهذا ما زاد في الطين بلة وجعل المريض اللبناني في آخر قائمة اهتمامات المؤسسات الصحية الى أي جهة ضامنة انتمى، وبهذا باتت الاعذار متعددة وكثيرة في وجه المريض اللبناني في غالبية المستشفيات وبات الموت على ابوابها هو الوسيلة الأسهل في ظل غياب الدولة وتخليها عن دورها الرعائي لابنائها على هذا المستوى وفي غياب أجهزتها الفعلية عن القيام بدورها في هذا الصدد خوفا من المحاسبة السياسية التي باتت معلومة في سياق تقسيمة المستشفيات الكبيرة على المرجعيات السياسية والدينية، والتي باتت بمعظمها تقارب هذا الملف من زواياه النفعية التي تدر عليها مالاً وانصاراً ومراجعين !
ومن هذا المنطلق يمكن لأي متابع ان يقرأ في أسباب الاجماع المضمر لدى كل القوى السياسية في لبنان على التلاقي والوقوف كسد منيع امام أي مشروع إصلاحي في هذا الصدد وأبرزها البطاقة الاستشفائية الموحدة للبنانيين التي حوربت بقوة من قبل كل المرجعيات السياسية في كل المراحل السابقة وما تزال تحارب وتعارض، علماً ان الكل يقر بأنها تؤمن وفراً طائلا من الاموال على خزينة الدولة اللبنانية، وتوقف الكثير من مزاريب الهدر والسرقات والسمسرات في ملفي الاستشفاء والدواء، وتفرض معالجة المريض اللبناني وتجعل من معالجته اولوية وتعيد للدولة هيبتها في هذا الملف الحساس.