تنبيه، في ما يلي ليس مقالاً، وإنما وثيقة مستوحاة من برنامج المجلس الوطني للمقاومة في فرنسا الذي توافق عليه في سنة 1944، أثناء الحرب العالمية الثانية، ممثلو فصائل المقاومة والنقابات والأحزاب السياسية الوطنية، تأسيساً على أن التحرير الوطني يتطلب إتحاد جميع الذين يتشاركون في نفس المصير.
ينبني البرنامج الوطني للمقاومة في الواقع على ركيزتين رئيسيتين هما: أولاً، تحرير البلاد من المستعمرين، ثانياً، على موافقة الجميع، ما أن تنتهي حرب التحرير، على مواصلة العمل معاً متحدين ومتضامنين، من أجل إرساء دولة قائمة على نظام إجتماعي أكثر عدالة مما كان قبل عدوان المستعمرين.
1ـ في مواجهة المستعمر:
إن الدولة السورية والجيش العربي السوري والجماهير الشعبية السورية، حزينون وقلقون جميعاً أمام جرائم القتل والتصفيات الميدانية التي يرتكبها المستعمرون والمتعاونون معهم ضد السوريين، ناهيك عن الدمار على نطاق واسع والسرقة وتعطيل سيرورة الإنتاج، والتسبب عمداً في التجويع التهجير والضرر وإجبار أعداد كبيرة على النزوح.
ولكن هذا الحزن والقلق يزيدان حماسة المدافعين عن الوطن شدة ويقويان إرادتهم على الكفاح من أجل إنقاذ البلاد والشعب السوري، عن طريق تمتين التعاون ورفع مستوى التنسيق بين جيش الوطن والمقاومة الشعبية السورية والعربية، من جهة وبين قوات حلفاء سورية وجيوشهم من جهة ثانية، حتى دحر المستعمرين وعملائهم عن التراب الوطني. إن السوريين لن ينسوا جميع الذين وقفوا إلى جانبهم في محنتهم وفي المقابل لن ينسوا أيضاً بالتأكيد الذين وضعوا أيديهم بأيدي الأميركيين والإسرائيلين بقصد تفكيك سورية واقتسامها. إن المقاومة لن تهادن أعداء الوطن قبل تحرير آخر ذرة تراب سورية، فهي تعاهد السوريين على مواصلة النضال بكافة الوسائل والسبل المتوفرة ! إن الشعب الذي لا يقاوم المستعمرين دفاعاً عن وطنه يضيع وطنه. بتعبير آخر أما أن يقاوم السوريون وينتصروا واما أن لا يقاوموا فلا تبقى سورية.
أكتفي بهذا الإستطراد في موضوع الصراع مع المستعمر، فالعمل الميداني يقرر خطته ووسائله واساليبه الذين هم على الأرض، في المدن والبلدات التي يحتلها العدو أو التي يتهددها خطر الإحتلال ! ولكن مهما يكن فإن التاريخ يفيدنا بأن الشعوب كانت تنتصر في أغلب الأحيان على المستعمرين في كل مرة كانت توحد قواها في سيرورة التحرير وتطرد العملاء من صفوفها.
2 ـ توجهات لما بعد التحرير:    
ـ إن حرب التحرير لا تنتهي في اليوم الذي يخرج فيه آخر جندي عدو من البلاد. لأن الإحتلال هو في جوهره مسألة كبيرة جداً، فمن واجب قوى المقاومة أن تبقى موحدة في المرحلة التي تلي التحرير، حيث أن المهمة الرئيسية فيها هي إحياء الدولة، إعادة الإعتبار لها، حتى تقود عملية توكيد استقلال البلاد السياسي والإقتصادي، كون هذا الإستقلال شرطاً أساسياً للمنعة والصمود ضد الضغوط والحصارات ومعاودة الغزو.. على نسق ما يتعرض له العراقيون وبلاد ما بين النهرين!
ـ فلو أردنا تلخيص دورس الإحتلال، لقلنا أنه يتوجب أولاً معالجة الثغرات إذا كانت موجودة، في أجهزة السلطة أو في أدائها، وفي المجتمع الوطني أيضاً. فمن المحتمل أن تكون هذه الثغرات قد سهلت على المستعمر إختراق وسائل الدفاع وإحتلال أجزاء من التراب الوطني.
ـ ينجم عنه ضرورة إعادة النظر في الأوضاع التي سبقت الإحتلال وفي ما جرى أثناءه. هذا يعني تقييم أفعال الافراد والجماعات، ومحاسبة كل فرد أو جهة على ما قامت به. يحسن التشديد هنا على ظاهرة معاونة المستعمر عندما تتعدى الخيانة السلوك الفردي فتشمل تكتلاً جماعياً على أساس عرقي أو ديني أو عشائري، ما يدل على نقص أو تخلف في وعي وإدراك مفهومية الأمة والوطن والدولة. من البديهي أن معارضة الحكومة لا تبرر الاستنصار بالقوى الإستعمارية، كما أنها لا تجيز بأي شكل من الأشكال التحالف بينها وبين العملاء والمرتزقة أو الإستفادة من أعمال هؤلاء الإجرامية الشنيعة قتلاً وتخريباً، أملا بأن تنهار الدولة فتؤول الأمور إلى المعارضة المتأمرة على الناس وعلى البلاد. هذا يحدث في سورية. كما رأيناه في العراق وكما نراه في اليمن. لا سيما أن أهل السلطة والمعارضة في بلدان العرب على السواء، ليسوا في أغلب الأحيان بغض الطرف عن خداع الألفاظ، عقائديين أو أصحاب مشاريع وطنية واضحة منسجمة أو متسقة مع السياسات التي يتبعونها، على إفتراض أن هذه سياسات ليست عشوائية.
ـ وفي سياق آخر، لقد حان الوقت لكي يفهم أهل الحكم أن السكان في هذا الزمان هو مصدر السلطة، فلا مفر من إعطائهم المعرفة ومن إحترام كرامتهم وعدم تقييد حريتهم في التفكير والتعبير. من الضروري أن يشعر المواطن أنه مالك في وطنه وليس مستأجراً في عمارة السلطان.
ـ أما في المجال الإقتصادي، فمن نافلة القول أن ضمانة استمرار الشراكة الوطنية الحقيقية بالإضافة إلى ترسيخ الإقتناع والثقة بديمومتها، لا تتحققان إلا في ظل إدارة نزيهة يتولاها ذوو الإختصاص والأخلاق الحميدة، تعمل بجدية على زيادة الإنتاج وتحرص على توزيع الأرباح توزيعاً عادلاً، إلتزاماً بمبدأ تغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة والفردية.
ـ وعلى الصعيد الإجتماعي فإن مفهوم الوطن يشمل في ما يشمل التضامن الإجتماعي، وترجمة ذلك هي الإعتراف بحق المواطن في العمل وفي تقاضي أجر يناسب الخدمات التي يقدمها. وفي مختلف الأحوال يجب ألاّ يجوع المواطن في وطنه وألاّ ينام في العراء وأن يتلقى العلاج إذا مرض. لا يموت المريض في وطنه على باب المستشفى، لا فرق بين مريض فقير وبين مريض غني.
ـ وفي هذا السياق تحافظ الدولة على صون حرية العمال النقابية في كافة قطاعات العمل الإنتاجي، الصناعي والزراعي هذا من ناحية، أما ناحية ثانية، فإن من واجبها، استناداً إلى أهمية الإنتاج في تمتين الإستقلال الوطني، أن تضع السياسات الكفيلة، بتحسين شروط العمل وبرفع إنتاجيته بكافة الأساليب والسبل.
ـ من البديهي أن تولي القوى الوطنية في الوطن المحرر ولكن المنكوب، مسألة تعليم وتربية الأطفال والأيتام وأبناء الفقراء العناية القصوى، على أساس المساواة. المطلوب من المجتمع الوطني تأمين الغذاء والكسوة والمأوى والدفء والمدرسة والعلاج، لكل طفل أو ولد ! أما التعليم في الوطن المحرر فإنه يكون حصرياً تحت إشراف «وزارة التربية والتعليم والفنون الجميلة» وفي المدرسة الرسمية وفي المعاهد والجامعات الوطنية. بقصد استرجاع الثقافة الوطنية وإخراجها من البازار الليبرالي.
خلاصة القول، إنه يقع على عاتق القوى التي حررت الوطن من الإستعمار، إعادة بنائه من جديد، لأن الإحتلال لا يسفك الدماء، لا يدمر الأوطان، ولا يمزق النسيج الإجتماعي فقط، وإنما يلوث حيثما تموضع. ينجم عنه أن السياسة لا يحين وقتها قبل الإنتهاء من تضميد الجراح ومن تقدير الخسائر، ومن إعمار البلاد. وفي مختلف الأحوال لا بد من الجلوس في إطار هيئة وطنية تأسيسية، والإتفاق على قوانين جديدة ودستور جديد، يعرف الحقوق السياسة، والإجتماعية، والإقتصادية، على أساس المساواة الكاملة بين سكان البلاد. إن الذين ينجحون في تحرير بلادهم وتطهيرها من المستعمرين ومن الخونة، يكتبون قوانين دولتهم بأيديهم، لأن حرب التحرير موجعة ومُكلفة ولكنها غنية بالدروس في المجتمع الوطني في الأخلاق في الأمانة في العطاء وفي معنى الإستشهاد دفاعاً عن الشعب وعن الأرض.