ليس في الافق السياسي ما يبشر بانفراج الازمة السياسية التي نشبت في البلاد على خلفية قانون الانتخابات النيابية المنتظرة، والتشنج الناجم عن هذه الازمة بين القوى السياسية الرئيسية ما يزال على حاله، بل تزداد وتيرته أحياناً بين بعض القوى تبعاً لحماوة الخطاب السياسي المتأزم أصلاً والذي يراكم القطيعة السياسية التي تسري منذ مدة بين بعض القوى وبعضها الآخر جراء التباين الجذري في وجهات النظر حول تفصيلة القانون الانتخابي العتيد.
ولان الجميع يتعاطى مع القانون المتعلق بالانتخابات النيابية على أنه المدماك الاول في عملية الاستحواذ على الحكم والسيطرة على الحصص المخصصة أساساً في التركيبة السياسية للطوائف، فان الرؤى السياسية الى هذا الملف متعددة، وتتباين تبعاً للمصالح الخاصة والذاتية بين القوى السياسية.
فرئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه السياسي ينظرون الى هذه القضية على قاعدة ان عملية البلف السياسي التي استخدمها الاخرون بعيد تنفيذ اتفاق الطائف للسيطرة على بعض مقاعد المسيحيين تحديدا باعتبارهم كانوا الحلقة الاضعف في تلك المرحلة. ويعتبرون ان اللحظة السياسية الان مؤاتية لتحرير النواب المسيحيين من سطوة الغالبيات الاخرى في معظم المناطق اللبنانية، وبالتالي آن الاوان بنظرهم لكي يأتي المسيحيون بنوابهم المحددين في تلك الوثيقة الوطنية التي تعتمد المناصفة عددياً، من دون هيمنة او استئثار او تقسيمات انتخابية تحمل تذاكياً يؤدي في نهاياته الى تذويب الاصوات المسيحية ضمن التكلات الاخرى الضخمة، سواء كان عنوانها درزياً او سنياً او حتى شيعياً في بعض المناطق وان كانت محدودة جداً، وبما يؤدي لاحقاً الى الاستئثار بالسلطات على انواعها باعتبار ان من يملك الغالبية النيابية في أي نظام برلماني من الطبيعي أن يكون الحاكم الفعلي الذي يشكل الحكومات على هواه ووفقا لمصالحه السياسية وانه هو من سيكون له الكلمة الفصل في الكثير من المحطات المفصلية على مستوى ادارة الحكم في البلاد، وتأسيساً على ذلك فقد حكمت الحريرية السياسية ومن يدور في فلكها من قوى متعددة لبنان فعلياً منذ اتفاق الطائف وما زالت حتى اليوم هي صاحبة الكلمة الفصل في المحطات الاساسية الكبرى، كتأليف الحكومات وتشكيلها وانتخابات رئاسة الجمهورية فضلاً عن اقرار القوانين المجلسية الاساسية وتشكيل اللجان النيابية وغيرها والتعيينات الاساسية وكل ما يندرج في اطار ممارسة الحكم في البلد.
أما اليوم، فبعد ان اصاب الحريرية السياسية ما أصابها من ترهل وبعد ما منيت به من ضربات وانتكاسات وخسائر جسيمة على المستويات السياسية والشعبية والمالية، جراء الظروف الاقليمية والدولية والحروب في الاقليم، فضلا عن التراجع المحلي على صعيد التأييد الداخلي، الذي كان قائماً اساساً على النفعية السياسية، اضافة الى الاختلاف الجذري مع بعض الحلفاء في المقاربات السياسية الملتهبة على مستوى المنطقة، وانحسار أدوار بعض القوى السياسية المتحالفة مع الحريريّة جراء قراءاتها الخاطئة للتطورات الاقليمية والدولية، وخروج القوة الشيعية الابرز من تلك المعادلة الداخلية نتيجة الاختلاف السياسي الجذري معها على مقاربة ملفات أساسية وجوهرية كملف التكفير وصناعة التوحش، وجراء انصياع تيار «المستقبل» للتوجهات السعودية لتحقيق غايات سياسية.
الجدير ذكره ان ما سبق هو بعض يسير من عوامل عديدة أدت في نهايتها الى انحسار الحريرية السياسية كفريق حُمِّل امتيازات الحكم في لبنان بعد اتفاق الطائف، وتم تسليمه راية القيادة... غير ان رئيس الحكومة سعد الحريري كان توصل متأخراً الى قناعة مفادها ان ما المجد السياسي الذي اعطي له في الحقبة السابقة بات من الماضي، وان عليه التفاعل مع تطورات الاحداث السياسية، التي تفرض عليه مقاربة الامور بشكل مختلف، للعودة الى الحكم الذي أقصي عنه بحكم الامر الواقع، وتوصل خلال نهاية العام المنصرم الى قناعة بسلوك طريق لا بد منها تقضي بانتخاب الرئيس ميشال عون لرئاسة الجمهورية تنفيذاً لاملاءات قوى سياسية اقليمية ودولية بات تأثيرها اكبر في الملف اللبناني، كشرط اولي للعودة الى الحكم.
وفي هذه المناخات التي رأى فيها التيار الوطني الحر مؤاتية لتطلعاته في استعادة النواب المسيحيين من هيمنة الماكينات الكبيرة الناخبة التي تذيب أصواتهم بين ثناياها وتختار لهم ما تريد من نوابهم تحت عنوان المحافظة على الصوت المسيحي المعتدل، وهو لذلك يبذل قصارى جهوده في سياق تقسيمة انتخابية من شأنها ان تعيد انتخاب العدد الاكبر من النواب المسيحيين بأصوات مسيحية، لكنه يحرص في كل طروحاته الانتخابية على ان يؤدي ذلك الى تتويجه قوة سياسية شبه وحيدة على الساحة المسيحية، وبما يهمش كل المكونات الاخرى، بعناوين مختلفة، وهذا ما جعله يصطدم بمعظم القوى السياسية التي تعانده وترفض مشروعه الذي تنظر اليه بريبة كبيرة وتعتبره مشروعاً استئثارياً بالسلطات السياسية، وباسم المسيحيين.. ومن خلال محاكاة عواطفهم، لكنه يلغي الآخرين من المعادلة السياسية.