بعد إقرار قانون الإنتخابات النيابيّة الجديد نهاية الأسبوع الماضي، وعلى الرغم من ضبابيّة صورة المرحلة المُقبلة، بدءًا بالتحالفات التي ستُعقد عشيّة إنتخابات أيّار 2018، مرورًا بأسلوب التعامل والتعاطي بين القيادات والأحزاب والقوى السياسيّة المُختلفة خلال الفترة الزمنيّة الفاصلة عن موعد الإنتخابات المُقبلة، وُصولاً إلى كيفيّة تجاوز لبنان للمشاكل والصعوبات التي تواجهه، إن داخليًا أو على مُستوى إرتدادات أزمات المنطقة، طغى على المشهد السياسي كلّه الدعوة إلى إجتماع مُهمّ سيُعقد في قصر بعبدا بعد غد الخميس. فما هي أسباب هذه الدعوة، وما الهدف منها، وما النتائج المُتوقّعة منها؟
وفي هذا السياق، كشفت أوساط سياسيّة مُطلعة أنّ رئيس الجُمهوريّة العماد ميشال عون الذي إنتخب رئيسًا في 31 تشرين الأوّل 2016، أي الذي أمضى حتى تاريخه نحو ثمانية أشهر في الحكم، أدرك أنّ التمديد للمجلس النيابي لمدّة 11 شهرًا إضافيًا، وبالتالي التمديد تلقائياً للحكومة الحالية، يعني إستهلاك ما لا يقلّ من 19 شهرًا من حُكمه قبل إجراء الإنتخابات النيابية المُقبلة، ثم هدر بضعة أشهر إضافية لتشكيل حكومة ما بعد الإنتخابات، ما يعني عمليًا إستهلاك ثلث فترة العهد الرئاسي المُحدّد بست سنوات. وأضافت أنّه من هذا المُنطلق، وخوفًا من ضياع ثلث الفترة الزمنيّة من عهده الرئاسي من دون تحقيق إنجازات كبرى تُحفظ له، قرّر الرئيس عون التعامل مع الحكومة الحالية التي كان رفض تسميتها بحكومة العهد الأولى، كسُلطة أمر واقع تنفيذيّة لا مفرّ منها، وذلك للإستجابة للأمور الحياتيّة والمعيشيّة والخِدماتيّة المُلّحة، ولمُعالجة المشاكل الإقتصاديّة والماليّة المُتراكمة، إلخ.
وكشفت الأوساط نفسها أنّ رئيس الجُمهوريّة حرص على ألا تتضارب دعوته إلى إجتماع قصر بعبدا مع سُلطات رئيس مجلس النواب نبيه برّي، ومع إجتماعات «طاولة الحوار» السابقة، وذلك من حيث الشكل والمضمون. وأوضحت في هذا الإطار أنّ الدعوة وُجهت من حيث الشكل إلى رؤساء الأحزاب المُمثّلة في الحكومة، وذلك كون هؤلاء يُؤثرون في عمل كل من السُلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة، وليس من مُنطلق تمثيلهم الشعبي على الساحة اللبنانيّة، ولو أنّه يُوجد تداخل بين الأمرين. وتابعت الأوساط نفسها أنّ الدعوة تضمّنت من حيث المَضمون جدولاً للأعمال يختلف تمامًا عن بنود «طاولة الحوار» التي عُقدت أكثر من مرّة في «عين التينة» برئاسة رئيس مجلس النواب. وأشارت إلى أنّ إجتماعات بعبدا، وعلى الرغم من أنّها ستتناول بعض القضايا السياسيّة المُهمّة وبعض الإصلاحات المنشودة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر موضوع اللامركزيّة الإداريّة ومسألة مجلس الشيوخ، إلا أنّها لن تستهلك الوقت كلّه في مُناقشة قضايا خلافيّة لا حلول مُرتقبة لها، بل ستُركّز على ضرورة تحريك عجلة الدولة، من النواحي الإقتصاديّة والماليّة، وضرورة تفعيل المشاريع الإنمائيّة والخِدماتيّة والمعيشيّة والحياتيّة على أنواعها، وخُصوصًا ضرورة تفعيل التنسيق بين السُلطتين التنفيذية والتشريعيّة لتنشيط العمل المُؤسّسَاتيّ ولإزالة العوائق البيروقراطيّة من أمامه، لما فيه مصلحة المواطنين.
وبالنسبة إلى النتائج المُتوقّعة من حوار بعبدا المُرتقب في الأيّام المُقبلة، شدّدت الأوساط السياسيّة المُطلعة على أنّ لا حلول سريعة وبسحر ساحر للأزمات المُتراكمة، لكنّها أشارت إلى أنّ قرار رئيس الجمهوريّة واضح بعدم إنتظار المزيد من الوقت لإطلاق عجلة الدَولة، وبضرورة فصل الخلافات السياسيّة الداخليّة عن شؤون الناس، وبضرورة إمتصاص إرتدادات الصراعات الإستراتيجيّة الإقليميّة والدَوليّة ومنع تأثيراتها السلبيّة على أمور المُواطنين اللبنانيّين ومصالحهم. وتوقّعت المصادر نفسها أنّ يضع إجتماع بعبدا خطوطًا عريضة لكيفيّة تعامل كل من السُلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة بايجابيّة كبيرة مع المشاريع الإنمائيّة بمختلف أنواعها، وكذلك مع إقتراحات القوانين ذات الأبعاد الحياتيّة والمعيشيّة في المرحلة المُقبلة.
وختمت الأوساط السياسيّة المُطلعة نفسها كلامها بالقول إنّه من ضُمن الإيجابيّات المُتوقّعة للقاء بعبدا الخميس، كسر الجليد بين أكثر من شخصيّة سياسيّة، خاصة بين رئيس الجمهورية من جهة ورئيس «تيّار المردة» النائب سليمان فرنجيّة من جهة أخرى، وإعادة توجيه بُوصلة مختلف القوى والأحزاب نحو مصلحة لبنان العليا، ونحو مصلحة المواطنين اللبنانيّين بالدرجة الأولى، لما فيه من فائدة على كل من العهد، وسيّده، وحكومته، والأحزاب المُشاركة فيه، وعلى اللبنانيّين ككل والذين ستكون لهم «الكلمة الفصل» في الإنتخابات النيابيّة المُقبلة.