أكّدت أوساط سياسية مراقبة أنّ لبنان غير مندرج في منظومة الصراع القطريّ-السعوديّ، وشبكة الأمان التي اتفق معظم الأطراف السياسيي ان على ترسيخها بمسلمات سياسية واقتصادية وقضائيّة وردت في ورقة بعبدا الأخيرة، أمتن وأفعل من أيّ انعكاس سلبيّ يحاول التعمّد بجذب أفرقاء سياسيين إليه ويعتمد على مواقفهم باتجاه التصعيد فيسهل استهلاك الأرض اللبنانية نحو هذا الصراع.
لماذا أضاءت تلك الأوساط السياسيّة على واقع لبنان في ظلّ تلك الأزمة المتصاعدة والمرشحة إلى مزيد من التصعيد؟ توضّح الأوساط رأيها هنا أن ردّ الرئيس سعد الحريري وهو رئيس للحكومة وردّ الدكتور سمير جعجع رئيس القوات اللبنانية، على خطاب أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، ناتجان من سوء فهم واضح مع فحوى الخطاب ورؤيته. فمن قرأ الخطاب وسمعه بصورة مباشرة لاحظ أنّ نصرالله لم يدخل قطّ في هذا الصراع ولم يستجمع مفرداته من فحواه ولم تلتبس عباراته بآفاقه الشديدة التوتّر. بل، اخرج نفسه من نطاقه وتكلّم على سوريا واليمن والبحرين، وأضاء على عمق الفلسفة الوهابية داعياً السعوديّة إلى التحرر منها. فالخطاب لم يتخذ طابعاً سياسيّاً بل نحا باتجاه القراءة العقيديّة-العموديّة، ومعروف أن حزبَ الله في حالة صدام شرسة مع النمط الوهابيّ، وهو بقراءته يرى أن هذا النمط على وجه التحديد رحم لتلك المنظمات التكفيريّة، منه ولدت وخرجت وانبثّت بوحشيّة فائقة نحو بلاد الشام لتعيث في الأرض قتلاً وتدميراً، قراءة الحزب بهذا المعنى عقيديّة وليست سياسيّة.
الاوساط تؤكد ان الحزب اراد أن يقول انّ أمينه العام خارج اصطفاف الصراع. وما شاءه من حرب سوريا الحفاظ على وحدتها وتماسكها في وجه إرادة تمزيقها وتمزيق لبنان معها.
لا يعني هذا الكلام الواضح أن الأرض اللبنانية لن تشهد حسماً وشيكاً فيما خص ملف الإرهابيين، وملف جرود عرسال اقترب من نهايته، والجيش كما المقاومة يملكان خطابًا واحدًا بل هدفاً واحداً بتوطيد الحسم السريع. ويستند الحسم في هذه البقعة إلى الحسم الذي حصل في مساحات واسعة من سوريا، اكّد بلا التباس دور حزب االله وإيران ورسيا فيه باعتراف السفير الأميركيّ السابق في دمشق روبرت فورد. وفي الوقت عينه يستند الحسم إلى إرادة لبنانية يتوجّها وجود رئيس قويّ هو العماد ميشال عون، وتظهر المعلومات أنّ هذه المسألة أي مسألة الحسم قد بحثت في اجتماع بعبدا، فاستعادة الدولة هيبتها وحضورها هدف أخلاقي وسياسيّ، ولا حياد عنه في فلسفة الرئيس.
لكنّ الخطورة وبحسب مراقبين ليست هنا، بل هي متجمعة في عنوان واحد ووحيد هو ملف النازحين. ويطرح هؤلاء سؤالاً واقعيّاً: لماذا يراد للبنان أن يتحمل عبأهم ويدفع لهم الأموال في لبنان بدلاً من أن يدفعها لهم في سوريا؟ ويرى هؤلاء، أن ثمّة غباء كبيرًا في معالجة هذه الأزمة، وقد تكون هدفاً للاستهلاك المذهبيّ والطائفيّ وهنا عينًا يكمن الخطر، لان الاستهلاك يقود مع الإصرار الدوليّ على تحمل لبنان مسؤوليته إلى توطين جديد يضاف إلى خطر التوطين الفلسطينيّ، مع الفرق بأنّ أهل فلسطين في لبنان لن يتمكنوا من العودة إلى ديارهم قبل تسوية تاريخيّة للصراع العربيّ - الإسرائيليّ، في حين أنّ النازحين السوريين قادرون على العودة بسبب تحرير مساحات واسعة من الأراضي السوريّة، فعودة أهل عسّال الورد إليها من طريق عرسال لافتة وأكدت أن لا خطر على العائدين إذا ما تمّت تسوية الأوضاع.
ويرى المراقبون أنّ الغباء نابع من حقد بعضهم على سوريا، ولم يروا ويقرأوا أنّ الرئيس بشّار الأسد قد ثبّت اقدامه من جديد كرئيس لسوريا على الرغم من التهويل الصادر عن الإدارة الأميركية، وقد ووجه بتحذير روسيّ صارم. فخلال يومين جال الأسد في حماه وزار شعبها وأمّ صرة العيد في مسجدها، ومن ثم زار قاعدة حميميم العسكرية الروسية تحت أنظار العالم ولم يجرؤ أحد لا في الجوّ ولا في البحر من مسّه. أليس التجوال بحدّ ذاته رسالة تعبّر عن رسوخه رئيسًا عون اقتراب استجماع الأشلاء السورية إلى ملء قامة الدولة؟ فلماذا لم يقرأ الساسة في لبنان أن بقاء الأسد قد ثبت ثباتًا حاسماً وعليه ستبنى التسوية السورية السياسية المرتقبة فتنطلق بدورها من الحريق السياسيّ الخليجيّ المتصاعد الذي يشلّ قدراتهم على الحراك في المدى السوريّ.
ويشدّد المراقبون وفقًا لمعلومات على أنّ الجيش السوري سيستعيد إدلب والرقة والقامشلي، وعلى هذا، فقد بطل تفكيك سوريا وستسير وفقًا لمنطق الدولة الراعية للجميع ضمن تسوية كاملة تشرك الجميع. وعلى هذا أيضاً فإنّ المراقبين يقرأون أن للبنان مصلحة بالحديث مع سوريا من زاويتين أساسيتين:
-زاوية إنهاء ملف النازحين وهو ملف ملح، ومعظم اللبنانيين باتوا ضحية له في أعمالهم وأمنهم وتركيبتهم الجمعيّة.
-زاوية استثمارية ترتبط بإعمار سوريا، وقد اتضح أنّ شركات عديدة بدأت تعدّ العدّة لهذا الهدف، وللبنان واللبنانيين مصلحة بأن يدخلوا الميدان الإعماري في سوريا ويساهموا به مساهمة أساسيّة وفعّالة وجوهريّة، ويظهر المراقبون أنّ للرئيس سعد الحريري مصلحة أساسيّة بهذا الاقتحام وقد نصح له كثيرون بعدم إثارة أي مسائل حساسة عن سوريا في ظلّ هذا الترقّب حتى لو تمّ تعويمه سعوديّاً. فالورقة السعودية احترقت في سوريا، وليس لها القدرة على الحياة من جديد. ويكمل المراقبون بحال لم يستطع الحريري قراءة المسار الجديد والبناء عليه، فلا يسوغ له مهاجمة حزب الله كما فعل المرة السالفة وقد اتضح أنّ العلاقة متجهة نحو الأحسن. للحريري مصلحة بتوطيد العلاقة مع حزب الله لبنانيّاً وفي الوقت عينه بالانطلاق من فعل التوطيد نحو المدى السوريّ بحرص على حوار يكون فيه حزب الله الوسيط.
ماذا لو اتجهت الأمور إلى حرب في الخليج وتحولت إلى حرب بين السعودية وإيران ما سيؤول إليه الوضع في لبنان؟ يستبعد المراقبون توغل السعوديين في هذه الحرب فميزان القوى ليس لمصلحتهم، الأزمة شديدة بين قطر والسعودية ولن يستطيع السعوديون تحمّل أزمتين بالغتي الدقة على اكتافهم، ولذا فإن  الحريري مدعو لاستكمال الحوار طالما الأزمة محصورة في هذا النطاق ولا مصلحة للبنان بالتوغّل فيها. مصلحة لبنان بمراقبة الواقع السوريّ والبناء عليه، من أجل تعميم الاستقرار والحوار وبالبلوغ نحو الانتخابات يبقى فيها اللبنانيون مصدرًا للسلطات. فالحوار أفضل من السجال وبالحوار نكمل المسيرة نحو بناء لبنان.