أيها الزعيم الخالد أنطون سعادة الذي لا يغيب محيّاك لحظة من امام وجهنا، ولا تغيب برهة مبادئك عن عقلنا وفكرنا، ويا أيها الزعيم الخالد أنطون سعادة، في مثل هذه الليلة من ليلة خجل منها التاريخ - كما قلت - انت النور المشعّ في رأس بيروت، حيث سالت دماؤك، وأما الجلادون فقد لعنهم التاريخ، من حسني الزعيم الى الملك فاروق الى موشي شاريف والى عصابة الداخل.
قلبت الطاولة بعد 1000 سنة من انحدار وظلم على الامة السورية، منذ زمن التتار والمغول والعثمانيين وغيرهم، ومن مسيرتك في العرزال، الى بيروت، الى مغتربك القسري في اميركا الجنوبية، مسيرة عزّ وبطولة توّجتها باستشهادك باكرا جدا، وكيف لا، وانت في الخامسة والأربعين من العمر، شاباً، زلزلت كيان الصهيونية، وكشفت مخططاتها، واطلقت تيار القومية الاجتماعية السورية وبدأت الامة تتعرف على كيانها وتستردّ سيادتها. وتجيب على الجواب الذي طرحته، من نحن؟ وتجيب على الجواب، من جلب الويل على أمتي الذي طرحته؟ وهذان السؤالان يكفيان، لمعالجة مشاكل الامة السورية العظيمة.
قلتَ لنا، جئت أحدثكم عن الحقائق التي فيكم، وما كان الا ذلك، واليوم بعد استشهادك نعلم تماما انك ما تكلمت الا الحقائق التي فينا والحقائق التي في التاريخ، وحقائق الامة السورية. وأشحت الصدى عن بابل وعن بترا وعشتروت وادونيس واوغاريت وصيدا وصور وجبيل وفلسطين، والأردن والكويت وأوضحت الخطوط التي ترسم حدود الامة السورية، من نجمتها قبرص قبالة الشاطىء السوري الى اسكندرون وكيليكيا في تركيا، الى عربستان في ايران، الى سيناء في مصر، الى الكويت المدينة التي سُلخت بقرار بريطاني، وواجهت معاهدة سايكس بيكو التي قسّمت الامة السورية الى كيانات ضعيفة، كي يسهل ضرب الامة السورية العظيمة المجيدة، الكبيرة بتاريخها، العظيمة بمجدها وثقافتها، المتألقة بانفتاحها وانسانيتها على العالم كله، حيث شواطئها شواطئ انفتاح على العالم كله، وحملت الحرف مع قدموس الى العالم، في حين ان العدو الأول لها كانت الصهيونية التي بشّرت بشعب الله المختار، وبتفوّق الإسرائيليين على شعوب العالم واستغلالهم للعالم كله، واهم محطة صلب المسيح ومؤامراتهم المستمرة حتى اليوم، بعد اغتصاب فلسطين وهم لم يرضوا باغتصاب فلسطين فقط بل هم يريدون المزيد من أراضي الامة السورية وهم يريدون دولة يهودية إسرائيلية من النيل الى الفرات، ويغتصبون الأرض كل فترة تلو الفترة، واكبر دليل استيطانهم في الضفة الغربية حيث الغوا مبدأ قيام الدولتين نهائيا، وهم يدمّرون الكيانات السورية حول فلسطين، كما فعلوا في المؤامرة الصهيونية -  الأميركية في العراق، وكما فعلوا في الشام، وكما فعلوا في لبنان في زمن مضى، وكما فعلوا في الثورة الفلسطينية فقسّموها، وكما يزرعون الويلات في كل الدول العربية ليسهل عليهم ان تكون إسرائيل الدولة العظمى في منطقة العالم والشرق الأوسط والدول العربية الى انحطاط وتقسيم وتراجع وتخلّف.
أيها الزعيم الخالد أنطون سعادة، قلتَ ليلة استشهادك انا اموت، اما حزبي فباق، والحزب باق، لكن للأسف، هنالك خروج كبير على النظام وعلى العقيدة وسياسة تفرّد وتسلط على قيادة الحزب ومنع القوميين الذين يريدون العمل في الحزب بقوة وايمان من العمل لان فئة قليلة متسلحة بالمخابرات الشاملة، سيطرت على الحزب طوال 30 سنة، وقسم من الحزب سيطر على التنظيم بواسطة فتح، وتشلّع الحزب، لكن العقيدة ما أصابها ابدا أي وهن، فالذين نادوا بالماركسية سقطوا، والذين نادوا بالرأسمالية سقطوا والذين نادوا بالاشتراكية سقطوا، والذين حاولوا تقويل العقيدة غير ما تقول سقطوا، والعقيدة صافية نقية نحفظها ونعلمها لاولادنا كما اقسمنا اليمين، وحزبك باقٍ، وهو ليس حزب لسنوات، او فترة من الزمن، بل هو حزب صراع وجود بيننا وبين الصهيونية وهو حزب صراع سيادة الامة السورية على نفسها، ومعرفة شخصيتها ووقوفها بين دول العالم وأمم العالم قوية عظيمة مجيدة.
أيها الزعيم الخالد أنطون سعادة، افتخر ان اخبرك ان مجموعة من شعبنا هو حزب الله تنكّب على مواصلة مسيرة المقاومة ضد إسرائيل، وحرر منطقة الجنوب في الكيان اللبناني، ثم الحق الهزيمة بالعدو الإسرائيلي سنة 2006، وأوقع خسائر كبيرة في صفوف العدو الإسرائيلي وجيشه، الذي يعتبره اقوى جيش في المنطقة، وهذه القوة من شعبنا، منظمة غير مخروقة من العدو الإسرائيلي، ولها إرادة على القتال تشكل نقطة انطلاق في تحرير فلسطين، وابدا نحن نحلم، بأن الصفوف البديعة النظام بلباس رصاصي، يحمل علم الزوبعة، سيكون يوما على رأس القوى التي ستحرر فلسطين. وان كان ذلك غير ظاهر في الأفق القريب، لكن حزب الله فتح الطريق والحزب السوري القومي الاجتماعي سيشقّ طريقه الى تحرير فلسطين والى نهضة الامة السورية العظيمة.
دماؤك أيها الزعيم الخالد فجّرت البراكين من الدماء، وها هم اشبال الحزب يتدربون، وها هم القوميون ثابتون، وفي ذكرى استشهادك أيها الزعيم الخالد نفتخر بك، ونرفع رأسنا، انك واجهت الموت وانت اقوى من الموت، وخافوا منك ان تكتب على ورقة صغيرة، فمنعوك من ان تكتب آخر الكلمات، ونفذوا الإعدام، مع منعك من كتابة سطرين خافوا منهما.
انت موجود في فلسطين، انت موجود في العراق، انت موجود في الشام، انت موجود في لبنان، انت موجود في الكويت، انت موجود في الأردن، انت موجود في قبرص، انت موجود على مدى الامة السورية كلها، وبسمتك المحترمة تغطي وجه سوريا، والعظمة انك واجهت الموت بقوة لا مثيل لها، وذلك مصير العظماء، ولولا - لا سمح الله - خفت من الموت، لكنّا انكرناك، ولكن كيف ننكر زعيما خالدا، امضى حياته في الصراع، ومضى في طريقه الى الاستشهاد دون وجل او خوف، ملاعبا الموت وهو ينظر اليه، طالباً عدم عصب عينيه، الا انهم اصروا على ذلك، وازعجك حجر تحت ركبتك، فقلتُ لهم ليزيلوه، وبعدما ازالوه، قلت شكرا، شكرا، وقطع الرصاص الشكر الثالثة، معتقدين ان قتل جسد الزعيم الخالد أنطون سعادة سينهي القضية القومية السورية الاجتماعية. لكنهم فشلوا فشلا ذريعا، فنحن نعاهدك، انه ما دام قلبنا يخفق، وعقلنا يعمل، سنبقى نرفع اليد ونقول: تحيا سوريا ويحيا سعادة.
وسنهتف هتاف أبناء الحياة، هتاف الحياة، لان الحياة لنا، لان الحياة للاحرار، لان الحياة لاصحاب المبادئ، لان الحياة لسوريا، سوريا العظيمة على مدى جغرافيتها الكبيرة وليس على مدى الجمهورية العربية السورية.
يا زعيمي اعدك ان فترة التسلط على الحزب ستنتهي، واعدك بأن الحزب سيعود رأس الحربة في الامة السورية، يوقظ الناس ويناديهم للواجب القومي. واعدك بأننا لن نكلّ ولن نملّ حتى انتصار سوريا الذي وعدتنا به، لاعظم انتصار، لاعظم صبر في التاريخ. وكما ارجعت الوديعة من دمائك الى الامة، نقول لك، كما اخبرتنا وقلت لنا، ان الدماء التي تجري في عروقنا عينها هي وديعة الامة فينا، متى طلبتها وجدتها، ونحن على طريقك، متى تطلب الامة دماءنا سنقدمها دون تردد ولو للحظة.
روحك طبعا غير راضية عن وضع الحزب، وعن الفساد الذي حل في الحزب، والتسلط الذي حل على الحزب، ولكن كل ذلك سينقشع، وتعود روح الزعيم الخالد أنطون سعادة تحيي الحزب كما كان في أيام سعادة، حزبا مناقبياً طاهرا مقدسا، مصارعا، قويا، مؤيدا بالحق، لان صحة العقيدة هي مؤيدة بالحق، والعقيدة راسخة ولقد اوجدتها يا حضرة الزعيم الخالد، وكتبتها في الكتب وفي آلاف الرسائل والمحاضرات وهي موجودة، وهي شاهدة لنا على بوصلة طريقنا، تدل الأجيال المقبلة الى العقيدة الحقيقية، التي اساؤوا لها ولكن انتصار الامة السورية آتٍ، وها ان معركتنا ضد الصهيونية قد ربحناها بواسطة شعبنا العظيم، وها ان الدولة التكفيرية في الشام قد اسقطناها بفضل شعبنا العظيم، واننا سائرون من نصر الى نصر حتى تحرير فلسطين، وكامل سوريا، لتكون احدى أمم العالم العربي، وسيفه وترسه والأمة الخالدة من دم ادونيس الى دمائك أيها الزعيم الخالد، والى كل دماء الشهداء القوميين ودماء شعبنا البطل الذي قاتل إسرائيل والتكفيريين.
وأخيرا أقول لك أيها الزعيم الخالد، عهد علينا ان نهتف صباحاً ومساء، تحيا سوريا ويحيا سعادة، ما بقينا، وما عشنا، وما دقت قلوبنا، وما اشتغلت عقولنا، وما كنا على قيد الحياة، واذا كان الإسرائيلي يقول، ليلتصق لساني بحلقي، ان نسيتك اورشليم، سنبقى نقول، تحيا سوريا ويحيا سعادة، حتى تحرير القدس وفلسطين، وكل ارض الامة السورية. وهتافنا اعلى بكثير من هتاف الصهاينة الجبناء.
شارل أيوب