مناخ اللقاء بين رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الدفاع يعقوب الصرّاف وقائد الجيش العماد جوزف عون امتاز بحسب ما أكدت مصادر مقربة من وزير الدفاع يعقوب الصراف بالعلميّة والشفافيّة والدقة في عرض الأمور واستعراض تفاصيلها وبخاصّة حول ما يقوم به الجيش اللبنانيّ من جهود مضنية في مكافحة الإرهاب والإرهابيين واختراق تلك البيئة الحامية لهم. تؤكّد مصادر الوزير بأنّ اللقاء لم يكن استدعاءً بل كان دعوة من رئيس الحكومة وتمت تلبيتها من باب التعاطي الإيجابيّ والمسؤول. فلرئيس الحكومة الحقّ في التواصل مع المسؤولين ومعرفة ما يحدث من تطورات وقراءتها والتشاور بها لكونه بحسب الدستور رأس السطة التنفيذيّة، وهذا مثبت في المادة 64 من الدستور حيث يقول النصّ في البند 8 منه: «بعقد جلسات عمل مع الجهات المعنيّة في الدولة بحضور الوزير المختصّ».
لقد ميّزت المصادر المقرّبة من الوزير بين الدعوة والاستدعاء لغويًّا وقانونيًّا. فالدعوة تحمل في طياتها تواصلاً، أمّا الاستدعاء فهو يجيء بين رئيس ومرؤوس، ويرى أحد الخبراء الدستوريين بانّ البند الثامن من المادّة 64 من الدستور لا تحوي صفة الاستدعاء، بل تحوي منطق الدعوة في علاقة رئيس الحكومة مع القطاعات ضمن الوزارات المعنية، وهي تصب في سيرورة الدولة من خلال دور رئيس الحكومة كرئيس للسلطة التنفيذيّة أي رئيس لمجلس الوزراء مجتمعًا في ارتباط المادة 64 بالمادة 65 من الدستور. وقد رأى الخبير المذكور، بأنّ حدود المادة 64 وقد مارسها رئيس الحكومة بدعوته وزير الدفاع وقائد الجيش، لا تستطيع على الإطلاق اختراق المادة 49 منه والتي تقول ما حرفيته: «رئيس الجمهوريّة هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقًا لأحكام الدستور، يرأس المجلس الأعلى للدفاع وهو قائد القوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء»، النصّ واضح، إذ لم يقل بأنّ القوات المسلحة تخضع لسلطة رئيس مجلس الوزراء بل لمجلس الوزراء حيث تتخذ القرارات فيه توافقيًّا، وإذا تعذّر ذلك فبالتصويت كما جاء في متن المادة 65 منه.
أهمية اللقاء كانت بالنتائج، وقد ظهرت في التصريح الذي أدلى به رئيس الحكومة سعد الحريري وكان إلى جانبه وزير الدفاع يعقوب الصراف وقائد الجيش العماد جوزيف عون، وقد محض الجيش ثقته كرئيس للحكومة في حربه على الإرهاب. فقد كشف قائد الجيش وبالوثائق أمام رئيس الحكومة حقيقة احتضان مخيمات النازحين للإرهابيين الذين وجدوا فيها مقرًّا ومستقرًا للانطلاق بعملياتهم الإرهابية، مما يوجب على الجيش الحسم في هذا الملف بعملية جراحية جذريّة تستأصل تلك الدمل السرطانيّة المتفشيّة في الداخل اللبنانيّ، والمنذرة بنظام فوضويّ قاتل من شأنه أن يقود الأرض إلى أن تكون رمادًا ويباسا.
أوساط سياسيّة مراقبة تركّز حاليًّا في استكمال الجيش دوره وتصديه للإرهاب بل استئصاله من المخيمات، وفي المعركة المنتظرة في جرود عرسال حيث تملك القدرة على فرض توازن سياسيّ جديد في لبنان. تعتبر هذه الأوساط بأنّ الضغط سيزداد بعد وضوح النتيجة بعد المعركة باتجاه ثلاث خطوط أساسيّة وضروريّة يفترض وبحسب الأوساط عينها أن تترسّخ تدريجيًّا وتستجمع مفرداتها باتجاه اللحظة اللبنانية الجديدة الداحضة لمفهوم عاد يظهر من جديد وهو «لبنان خطأ تاريخيّ وفائض جغرافيّ».
تتشكّل الخطوط على النحو التالي:
1-الخطّ الأوّل: سيستند الجيش على معركة الحسم في جرود عرسال، ليوسّع نشاطه في الداخل اللبنانيّ بوجه الجيوب الإرهابية المتغلغلة في عكار وسواها من المنطاق اللبنانيّة. وبحسب ما تبيّن بأن تلك المناطق لن تترك سائبة، وفي معلومات أوليّة، ولكنّها ثابتة، بأنّ قطع الرأس عن جسم الإرهاب قاطعة يحوله إلى تراب. فقطع الرأس سواء في جرود عرسال أو في الداخل السوريّ والعراقيّ سيؤدّي إلى نهاية هذا الملفّ من الداخل اللبنانيّ ولن يكون مسارًا للمساومات الملتبسة والملتوية بتفاصيلها.
2-الخطّ الثاني: لن يكون بمقدور الحكومة اللبنانيّة برئاسة الحريري سوى التحاور مع الحكومة السوريّة بصورة مباشرة لتأمين عودة النازحين إلى الداخل السوريّ المحرّر. فالواقعيّة السياسيّة بالتماسها للنتائج تفرض هذا الخيار ولا تفرض سواه. ويشير عدد كبير من المراقبين، بأن مصلحة لبنان لا تنحصر في الحوار حول ملفّ النازحين، بل مصلحته تتشعّب باتجاه حوار متجدّد سيّما بأنّ إعمار سوريا ليس هدفًا سوريًّا بل هدف لبنانيّ. فكيف يمكن للشركات اللبنانية أن تستثمر في الإعمار والترميم وإقامة بنى تحتيّة والحكومتان اللبنانيّة والسورية لا تتكلمان مع بعضهما؟ ويعرف الجميع بأنّ ثمّة مصارف لبنانيّة لها فروع في دمشق وحمص وحماه وحلب وطرطوس واللاذقيّة، وأعمالها هناك لا تزال قائمة.
يتساءل بعض المراقبين في هذا الخطّ عن معنى الرفض. فيرون بأنّ رفض بعضهم يجيء إمّا من خوف استجلاب وصاية جديدة على لبنان، أو من حقد دفين يقطع طرق التواصل. لعلّ المنطق الصحيح الذي يسوقه المراقبون، أن تخرج الحكومة السوريّة ببيان تمهيديّ مترافق مع سعي اللبنانيين للقضاء على الإرهاب يظهرون فيه الحرص على ديمومة الكيان اللبنانيّ بتنوعه الفريد، ويحترمون خصوصيته السياسيّة والسياديّة والنظاميّة، وعلى استمرار الأخوّة بين بلدين سيدين بما يملكان من خصوصيات متنوعة، ويبطلون فيه هذه المقولة التي تبناها أحد المعارضين نقلاً عن هنري كيسنجر وعبد الحليم خدام القائلة بأنّ لبنان خطأ تاريخيّ...فمتى خرجت الحكومة السوريّة ببيان كهذا، وهو بيان يعبّر عن النصر في الداخل السوريّ، تكون السبل قد عبدت باتجاه حوار شامل وطيب ورصين، تنتج عنه علاقات أخوية بين دولتين شقيقتين بخواص تكوينيّ واحد.
3-الخطّ الثالث: تنظيف المخيمات الفلسطينية من الإرهابيين فيها وبخاصّة مخيّم عين الحلوة. تعتقد أوساط سياسية وأمنية، بأنّ الحسم في جرود عرسال سيؤول إلى فرض الشروط على القاطنين في المخيّم سيّما وأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قال جهارًا بأن الفلسطينيين هم ضيوف، وعليهم أن يحترموا شروط الضيافة. هذه المسألة ستكون دقيقة للغاية، إذا إن رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون لن يتهاون أمام كيان مسلح يضمّ إرهابيين وله استقلاله عن النظام اللبنانيّ. فالرئيس يسعى لإخضاع المخيمات الفلسطينيّة للنظام اللبنانيّ، وليس لها أن تحيا بنظامها الخاص. السيادة اللبنانيّة كاملة وليست مجزّاة، والدولة ستبسط سيادتها على كامل التراب اللبنانيّ بلا شروط تذكر أو تفرض.
وفي الختام تنصح بعض الأوساط الحريري بالانفتاح على الواقع بواقعيّته والتواصل مع عناوينه بتحليل لكلّ الاحتمالات المطروحة، فالحريق الخليجيّ السياسيّ بين السعوديّة وقطر ليس لمصلحته، ونتائج القمة الأميركية-الروسيّة بدات تظهر تباعًا بأمرين دقيقين، بان الروس لن يسمحوا للأميركيين بجعل إيران دولة إرهابيّة، ولن تكون ثمّة دويلة كرديّة بحسب المنطق الأميركيّ، بل اتفقا على استكمال الحرب على الإرهاب في سوريا بحسم حازم وجازم، فيعطى للجيش السوريّ أن يتقدّم ويحرّر، وليس الأميركيين أن يقوموا بقصفه، وهذه المسألة لمصلحة الرئيس السوريّ بشار الأسد، وهذه النتيجة بدورها ليست لمصلحة الرئيس الحريري. مصلحة الحريري أن لا يندرج بمقولات تنتمي لقوالب ماضويّة جامدة، وليس أن يعصم نفسه عن مسرى الأحداث بنتائجها في سوريا، بل مصلحته أن يستجمع الرؤى في سبيل مصالحة واقعيّة مع سوريا، فهو سيكون الرابح الأكبر فيها، وستكون سوريا مدى لاستثمارات عديدة يشارك بها. وفي النهاية تقول هذه الأوساط بأنّ الرئيس رفيق الحريري رحمه الله، لو بقي على قيد الحياة لتفاعل مع سوريا بحكمته ودرايته وأكّد كرجل دولة بأن مصلحة لبنان بأن يكون في الداخل السوريّ، ضمن علاقة تنتمي إلى الروح المشرقيّة باحترام للتنوع القائم بين البلدين والنظامين. وغالب الظنّ بانّ الرئيس السوريّ بشار الأسد المتقدّم في معركة بناء الذات سيكون متقدّمًا في بناء علاقة مع أعز بلد على قلبه هو لبنان يحترم فيها فرادة نظامه الدستوريّ بفلسفته الميثاقيّة، والتي هي قلب نظامه وعلّة وجوده ومصدر سيادته.