ما من شك ان القضاء على الارهابيين من جبهة «فتح الشام» وتنظيم «داعش» وسواهما في عرسال وجرودها سيعزز بالطبع الاستقرار اللبناني ويقطع نهائيا امكان تنفيذ العمليات الارهابية والاجرامية التي لطالما كانت تهدد وتستهدف المناطق اللبنانية المختلفة، على ما تجمع عليه جميع الاطراف السياسية اللبنانية والمزاج الشعبي اللبناني، الذي وان تعاطف قسم منه فمع النازحين وليس مع الارهابيين بالطبع.
غير ان المعركة التي تحمل طابعا عسكريا صرفا ذا بعد سياسي، تتحول الى اجتماعية كلما اقتربت من حدود عرسال مع وجود عشرات الآلاف من اللاجئين في 110 مخيمات، تأوي بين ما تأويه بعض عائلات مسلحي الجرود، رغم اعتبار البعض ان من شأن نجاح تطهير الجرود ان يساهم من جهة في تخفيف الضغط السكاني والمعيشي الذي ترزح تحته البلدة وجوارها وان يؤدي ايضا الى تعزيز الوضع الاقتصادي خصوصا اذا ما تمت شرعنة هذا الممر اسوة بالبوابات الحدودية التي تربط ما بين لبنان وسوريا، والتي قد تصلح كمنطلق لاعادة اعمار دمشق وغالبية المدن والقرى السورية.
واذا كان احد اهداف تحرير الجرود ان يشكل بوابة تفاوض ما بين لبنان والنظام السوري الذي يسعى الى الامساك بكل المعابر الداخلية والحدودية منها في ظل ما يتم روسياً واميركياً وحتى اوروبياً من حديث يتعلق بصعوبة عودة سوريا الى ما كانت عليه سواء ما يتعلق بصيغة نظامها او من حيث جغرافيتها والوضع على الارض بحسب ما يُخطط لها، ووفقا لما تراه القوى المناهضة لسوريا فهي تعتبر ان ما يجري اليوم هو تقاسم نفوذ سياسي وعسكري تحت عناوين العفو والمصالحات ووقف النار والمناطق الآمنة، وان سوريا الغد ستكون اقله شبيهة الى حد بعيد بلبنان حسب هؤلاء، حيث يتقاسمه عدد من الزعماء واصحاب النفوذ السياسي والشعبي في انتظار استكمال رسم الخريطة الكاملة لما يعرف بالشرق الاوسط الجديد بدءاً من العراق مروراً بسوريا ولبنان وسواها من الدول العربية، لا يبشر بقرب حل ازمة النازحين على ما تشير مصادر المناهضين لمحور المقاومة.
وتعتبر هذه المصادر ان الحكومة السورية غير مستعجلة لعملية عودة النازحين، خصوصا الى بعض المناطق التي تعتبر حيوية، وهي تعتمد سياسة الخطوة الخطوة في هذا المجال والنفس الطويل بغية تحصيل اكبر قدر ممكن من الاثمان السياسية والمادية من المجتمع الدولي اوالحكومة اللبنانية، معتبرة ان الدعوة لاجراء حوار مع الحكومة السورية لن ينتج اي ايجابية لانها لن تكون جدية في ظل غياب اي رؤية او مشروع واضح لدى الطرفّ السوري، كاشفة ان مفاوضات غير مباشرة جرت سابقا عبر طرف ثالث لم توصل الى اي نتيجة، كما ان اللجوء الى وساطة دولية لن يؤتي ثماره في ظل الاوضاع الحالية.
وتتابع المصادر المناوئة لمحور المقاومة، بان المجتمع الدولي لم يلتزم حتى الساعة تجاه لبنان وفقا لتعهداته بالمساعدة بأكثر من 55% من الحصة المرصودة لبيروت، وهو ما فاقم من ازمة النزوح ودفع بلبنان الى وقف باب اللجوء منذ 1/5/2015 وفقا لقرار رسمي للحكومة اللبنانية ليقف عدد اللاجئين عمليا عند رقم مليون وثلاثين الف سوري، موزعين على تجمعات ومخيمات عشوائية دون اي خطة تراعي الاوضاع والمتطلبات الامنية اللبنانية، فيما تسجل حركة ناشطة عبر المعابر الحدودية الرسمية لدخول وخروج عدد كبير من السوريين على مدار ايام الاسبوع وفقا لاحصاءات الاجهزة المعنية.
وفي هذا المجال تكشف المعطيات المتوافرة ان الدفعة الاخيرة من النازحين التي غادرت مخيمات عرسال الى منطقة عسال الورد هي لعائلات من افراد «سرايا احرار الشام» وهو فصيل تابع للجيش السوري وسبق له ان خاض معارك في الجرود ضد تنظيم «داعش»، كما انه حصلت عمليات تنسيق سابقا بينه وبين الاجهزة الامنية اللبنانية، وقد نجحت المفاوضات، وبعد اكثر من بادرة حسن نية قدمها الطرف اللبناني، ومن بينها نقل جرحى للسرايا الى مستشفيات البقاع، في اقناعه بالانسحاب من الجرود.
وعليه كانت المرحلة الثانية من المغادرين، والتي لم تشمل اي مطلوب من قبل الاجهزة الامنية اللبنانية سواء لمشاركته في اعمال ارهابية او لدخوله لبنان بطريقة غير شرعية، رغم تسجيل ظاهرة لافتة في حضور ممثل عن السفيرة «كاغ» سأل العائدين افراديا عما اذا كانت عودتهم طوعية ام تجري تحت الضغط على مرأى ومسمع من الامنيين اللبنانيين.
ازاء هذا الوضع وفي ظل التطورات المرتقبة في الجرود تدعو المصادر المناوئة لمحور المقاومة، الى تشكيل خلية سياسية - امنية - عسكرية لوضع خطة مشتركة لاستيعاب اي تحرك او احداث قد تطرأ بشكل يتلاءم مع متطلبات الامن اللبناني ولا يتعارض او يثير حساسية المجتمع الدولي، نظرا للمصلحة اللبنانية في استمرار الدعم الغربي ايا كان حجمه نظرا لاهميته خصوصا على الصعيد العسكري.
وفي هذا الاطار سألت المصادر ما هي الاجراءات التي اتخذتها الوزارات المعنية حتى الساعة؟ وماذا لو فرّ المسلحون الى داخل مخيمات النازحين؟ ماذا لو حصلت موجات نزوح من المخيمات خارج منطقة سيطرة الجيش اللبناني الى داخل عرسال؟ وماذا لو نجحت محاولات البعض في شحن النفوس والتحريض الطائفي؟ كيف ستتم المواجهة؟ وهل سيترك الجيش اللبناني وحيدا دون غطاء سياسي على ما درج عليه السياسيون من غسل لايديهم.