عشية انعقاد الجلسة النيابية العامة التي تتصدر جدول اعمالها سلسلة الرتب والرواتب، بدا ان مساحة المناورة امام القوى السياسية قد ضاقت كثيرا، خصوصا ان الجزء الاكبر منها جرى استهلاكه في المرات السابقة، حين كانت «السلسلة» تصل الى تخوم جيوب الموظفين والعاملين في القطاع العام، ثم تتبخر!
ويُفترض ان يكون اجتماع ممثلي الكتل النيابية الاساسية اليوم مفصليا، لجهة نزع الاقنعة والقفازات وبالتالي حسم مصير «السلسلة» وسقفها المالي وضرائبها، في وقت يبدو ان موقف تيار المستقبل سيساهم بشكل اساسي في تحديد وجهة هذا الملف وتسهيل او تعقيد مشواره في الهيئة العامة، لاسيما ان «المستقبل» يتحفظ على بعض الزيادات المقترحة ربطا بحقوق المتقاعدين تفاديا لارتفاع الاعباء، وفق طرحه، ويتقاطع معه الحزب التقدمي الاشتراكي وحزب القوات اللبنانية الذي يصر ايضا على عدم فصل «السلسلة» عن الموازنة.
وفيما تتركز جهود ربع الساعة الاخير، على محاولة ايجاد توافق عام حول مكونات «السلسلة» ومداخليها، يدعو مصدر نيابي بارز عبر «الديار» الى اعتماد خيار التصويت في الجلسة العامة للبت في النقاط الخلافية، إذا تعذر التفاهم عليها، موضحا ان البحث سيتمحور اليوم حول مصادر المداخيل المطلوبة والصيغة الأنسب لمنح 100 الف متقاعد حقوقهم، من دون ضرب التوازن المالي الدقيق الذي يجب ان يستند اليه مشروع «السلسلة».
وهناك في الاوساط السياسية من يعتقد ان سيناريو اقرار قانون الانتخاب يتكرر حاليا مع «السلسلة»، من حيث اللعب على حافة هاوية الوقت حتى الحد الاقصى، قبل ان تتم الولادة في اللحظة الاخيرة، بينما لا يخفي البعض حذره مبديا خشيته من اجهاض «الجنين» تحت ضغط النيات المريبة.
وعلى بُعد ساعات من الجلسة التشريعية، دعا الرئيس ميشال عون الى احترام حقوق المواطنين وابعادها عن المزايدات الانتخابية، مشددا على ضرورة تأمين سلامة المالية العامة للدولة، من خلال اقرار الموازنة التي تحددد ايرادات الدولة والانفاق فيها.
وفي اطار تحضير الارضية لاقرار «السلسلة»، التقى الرئيس نبيه بري مساء امس رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، بحضور وزير المال علي حسن خليل والنائب وائل ابو فاعور.
وقال مقربون من جنبلاط لـ«الديار» ان رفضه لتجاوز كلفة «السلسلة» مبلغ 1200 مليار ليرة، انما يعود الى خشيته من التداعيات التي قد تترتب على الاندفاعة الزائدة اكثر من اللزوم. ويحذر هؤلاء من ان تجاوز السقف المقبول الذي يحتمله الاقتصاد، سيشكل مغامرة مالية محفوفة بالمخاطر، في مرحلة تتطلب حسابات دقيقة توفق بين النفقات والايرادات.
وتلفت اوساط جنبلاط الانتباه الى انه حتى عندما وافق على سقف 1200 مليار ليرة، انما ربط موقفه باعتماد اصلاحات ادارية وبالتحقق من الايرادات، وهو لا يزال عند موقفه ولم يغيره.
وأكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي فياض ل» الديار» انه لم تعد توجد قدرة لدى الاطراف السياسية على التفلت من «السلسلة»، لافتا الانتباه الى ان الشارع غاضب جدا، ولست أدري إذا كان بامكان اي جهة ان تتحمل، لمرة جديدة، تبعات عدم منحه حقوقه.
ويشير الى ان اجتماع ممثلي الكتل النيابية اليوم يجب ان يستكمل النقاش في شأن التفاصيل العالقة المتمحورة حول زيادات معينة ومصادر الايرادات والنظام التقاعدي وآلية الدفع، معتبرا ان هناك مخارج عدة جديرة بالبحث، ويمكن اعتماد أحدها، إذا صدقت النيات.

 الانتخابات الفرعية

في هذا الوقت، لا يزال المعنيون في طرابلس وكسروان يترقبون قرارا واضحا من وزير الداخلية نهاد المشنوق حول مصير الانتخابات الفرعية وموعدها، وإن يكن مرجحا ان تتم في اواخر ايلول المقبل وفق ما كان قد توقعه المشنوق ذاته، علما ان القوى والشخصيات السياسية النافذة في هاتين المنطقتين بدأت تستعد، سرا او علنا، لهذا الاختبار.  
وقال الرئيس نجيب ميقاتي لـ«الديار» انه ليس بصدد اعطاء أي إشارة الآن حول كيفية مقاربته للانتخابات الفرعية في طرابلس، لافتا الانتباه الى انه لن يعلن عن موقفه إلا بعدما تُدعى الهيئات الناخبة رسميا، وعندها لكل مقام مقال.
 ويضيف: أنا من ابناء منطق الدولة، وعندما تحدد وزارة الداخلية موعد الانتخابات، يكون لكل حادث حديث ونقرر ماذا سنفعل، اما ما دام الامر في اطار التخمينات والترجيحات فلن أخوض مسبقا في تفاصيل خياري.
لكن ميقاتي يستغرب في المقابل كيف ان الدستور أصبح غب الطلب في لبنان ويُستعان به عند المصلحة فقط، مشيرا الى انه مضى على استقالة النائب روبير فاضل اكثر من عام ولم تتم طيلة الفترة السابقة الدعوة الى اجراء الانتخابات الفرعية برغم الزاميتها الدستورية، فلماذا استفاقوا على الدستور الآن تحديدا واين كان حرصهم عليه من قبل؟
وأبلغ العميد المتقاعد شامل روكز «الديار» انه مصمم على خوض الانتخابات الفرعية في كسروان وبات جاهزا لها، إذا جرت، انطلاقا من ان المقعد النيابي للعماد ميشال عون ينطوي على رمزية سياسية وقيمة عملية وبالتالي لا يجوز ان يبقى شاغرا وراكدا، وأهالي كسروان يستحقون بالتأكيد تمثيلا مكتملا، غير منقوص.
وعما إذا كان يستطيع ان ينجز شيئا خلال الفترة القصيرة الفاصلة عن موعد الانتخابات النيابية العامة، يؤكد روكز ان هناك قدرة على الانجاز ولو في شهر واحد او حتى في يوم واحد، إذا توافرت الارادة والعزيمة، موضحا ان فوزه، في حال حصوله، سيمنحه شرعية تمثيلية عبر الوكالة الشعبية الرسمية، الامر الذي سيسمح لي بان أكون أكثر تاثيرا وفعالية على مستوى الشأن العام ببعديه السياسي والانمائي.
وحول ما إذا كان يتوقع منافسة له، يلفت الانتباه الى ان الجميع في المنطقة على علاقة جيدة معي ويعربون في العلن عن محبتهم لي، أما ماذا يحدث في الكواليس فلا أعلم، وايا يكن الامر فان من يريد الترشح ضدي له كل الحق في ذلك، تبعا للعبة الديموقراطية.

 «الداخلية» .. والتظاهر

وفي انتظار جلاء صورة الانتخابات الفرعية، استقطبت الدعوات المتبادلة الى التظاهر في وسط بيروت الاهتمام خلال الساعات الماضية، بعدما هددت باندلاع مواجهة بين مناصري الجيش واهالي شهدائه، ومجموعة من السوريين واللبنانيين كانت تنوي تنفيذ اعتصام في ساحة الشهداء احتجاجا على طريقة تصرف المؤسسة العسكرية مع النازحين السوريين، ما استفز الكثير من المواطنين الذين تداعوا عبر مواقع التواصل الاجتماعي الى تحرك مضاد.
وتجنبا للنتائج التي قد تترتب على تجمع الجهتين في المكان ذاته، أعلنت وزارة الداخلية مساء امس عن عدم الموافقة على اي طلب من اي جهة للتظاهر يوم غد الثلاثاء، حفاظا على الامن والسلم الاهلي.
 ويشعر العميد روكز بالغضب حيال الحملة التي استهدفت الجيش بعد عمليته الاستباقية النوعية في بعض مخيمات عرسال، وصولا الى محاولة التظاهر ضده، واضعا «ردود الفعل المتجنية في سياق الاعتداء المعنوي على الجيش خصوصا انها استبقت نتائج التحقيق واصدرت احكاما مبرمة».
ويقول روكز لـ «الديار» ان بعض المعارضين السوريين والكتّاب العرب ليسوا في موقع يؤهلهم اعطاء دروس للجيش اللبناني في الاخلاق والاصول، مشيرا الى ان هؤلاء الذين يكثر القمع والجلد وقطع الرؤوس في مجتمعاتهم وينتمون الى هذه الثقافة، يجب ان يصمتوا ولا يحق لهم التنظير علينا.
ويلقي روكز اللوم على بعض اللبنانيين ممن انفعلوا وتفاعلوا مع الحملة، داعيا اياهم الى ان يثقوا في الجيش اللبناني المعروف بانه من اكثر الجيوش مناقبية في العالم، وإذا ارتكب عناصر فيه اخطاء فان هناك آلية معتمدة للمحاسبة في المؤسسة العسكرية، وقد تم الركون الى هذه الآلية في تجارب عدة سابقا.
ويؤكد روكز انه لو جرى التظاهر ضد الجيش في وسط بيروت، لكان لبنان كله سيمثل التظاهرة المضادة، وليس فقط عددا محددا من الاشخاص.