– عندما يصير التعاون الروسي الأميركي معلناً ومكرّساً على مستوى الرئاستين لا يعود النقاش حول وجود تفاهم أم عدمه. وعندما تتحدّث التقارير الأميركية علناً عن تسليم أميركي بزوال الخلاف مع موسكو حول مستقبل الرئاسة السورية، رغم التصريحات التي تعاكس ذلك أحياناً إرضاء لبعض الحلفاء الأسخياء مالياً على واشنطن، يصير البعد السياسي واضحاً لجهة التعاون لحلّ سياسي لا عقبة أمامه، طالما حُلّت مسألة الرئاسة السورية التي كانت سبب فشل كلّ مساعي التقارب الروسي الأميركي السابقة. وعندما تكون واشنطن قد تأقلمت مع سقوط خطها الأحمر لمنع الجيش السوري من بلوغ الحدود مع العراق، ومع فشل جماعاتها المقيمة في التنف من بلوغ الحدود، ومع عجز الجماعات الكردية من حسم الحرب على داعش. وهي حرب بات محسوماً أنّ حلقتها الأخيرة والحاسمة ستكون في دير الزور والميادين حيث لا تملك الجماعات الكردية قدرة الحسم، بل الجيش السوري هو الذي يملكها، يصير للتعاون الروسي الأميركي مفردة ثانية غير التفاهم على بقاء الرئيس السوري، هي التفاهم على محورية دور الجيش السوري.

– يبقى التسليم الأميركي بفشل الراهن على الفوضى وإدامتها وإدارتها، وفشل التقسيم الذي يشترط لبقائه بقاء داعش، ويسقط بسقوط إمارة التنظيم. ومع سقوط داعش وسقوط دويلة كردية تختبئ بظلال الحرب على داعش، يسقط البقاء الأميركي في سورية حكماً، وتصير الطريق ممهّدة للجيش السوري نحو إمساك الجغرافيا الدولية لسورية، من الحدود إلى الحدود، ويصير ما بين الحدود حيث جزر مسلحة تشملها اتفاقيات تهدئة، ويوازيها مسعى الحلّ السياسي لحكومة في ظلّ الرئيس السوري تمهيداً لانتخابات، يصبح السؤال عن ضامن الهدنة، بعدما فشل أستانة في إعلان آليات رقابة بسبب رفض سورية دور الأتراك، ورفض الجماعات المسلحة في الجنوب لمراقبين إيرانيين، وجاء التفاهم الروسي الأميركي وعنوانه مراقبون روس، فمن سيضمن هدنة طرفها الجيش السوري ومقابله مسلحون في حمص والغوطة ومَن يضمن هدنة مع الأكراد في الشمال الشرقي ومع الميليشيات المدعومة من تركيا في الشمال الغربي؟

– عندما يفكر الأميركيون والروس بهدنة ثانية وثالثة لن يكون ممكناً الحديث عن مراقبين ضامنين للهدنة يتمّ التوافق عليهم والتسليم بقبولهم من الجميع الجيش السوري وحلفاؤه الإيرانيون وحزب الله من جهة، والأتراك والأكراد والأميركيون من جهة مقابلة، إلا الشرطة العسكرية الروسية، فإذا كان التسليم سياسياً من واشنطن بالتنازل عن سبب خوضها الحرب على سورية والتسليم بمطلب موسكو المركزي حول الرئاسة السورية، ومعه عسكرياً بالحضور الروسي الكثيف وبمحورية دور الجيش السوري، وأمنياً بمراقبين يضمنون التهدئة من الشرطة العسكرية الروسية، وبالمصالح الاقتصادية في النفط والغاز التي ترتبط موسكو بعقود طويلة حولها مع الحكومة السورية، ماذا يبقى حتى يمكن القول إنّ تفويضاً أميركياً لروسيا قد تمّ في سورية مقابل تحقيق الحدّ الأدنى الذي ترضاه أميرك ابعد فشل مشروعها، والحدّ الأدنى صار سقفه منخفضاً جداً عند حدود، ضمان عودة الاستقرار بدولة مركزية موحّدة وقوية، وإنهاء داعش، وعدم نشوء وضع متفجّر على حدود الجولان؟د


ناصر قنديل - "البناء"