لاحظ مراقبون سياسيون بأنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، تعمّد استهلال المؤتمر الصحافيّ المشترك مع رئيس الحكومة اللبنانيّ سعد الحريري، بعنوان أميركيّ داخليّ لا ينتمي لا من قريب أو من بعيد إلى سياق اللقاء بينهما وإلى صيغة المؤتمر الصحافي المشترك فيما بينهما أيضًا. وتجيء تلك الملاحظة من فهم هؤلاء بأنّ عنوان البطاقة الصحيّة خلال عهد سلفه باراك أوباما وقد أسقط في الكونعرس الأميركيّ على يد السيناتور جون ماكين الديمقراطيّ كان هاجسًا كبيرًا وإسقاطه تاليًا هو نصر يضاف إلى عهد ترامب.
بدأ الرجل مؤتمره بهذا العنوان ومعظم العناوين الداخليّة تحولت إلى مجموعة هواجس تقوّض عهده وتقضّ مضجعه وتحاول النيل منه. ويتبين من خلال ذلك بأنّ الأولويّة المطلقة عند الرئيس الأميركيّ الانكباب على معالجة الملفات الداخليّة قبل الملفات الخارجيّة، فالداخل عنده رجراج ووضعه ملتبس للغاية، وثمّة دراسات ظهرت في الداخل الأميركيّ تطالب الإدارة الأميركيّة بتشدّد كبير من اجل إيجاد حلول لمسائل البطالة ومسألة انتفاخ المديونيّة العامّة وتورمها، وقد فهم ترامب بأنّ التطلّع إلى المصالح الأميركيّة في الخارج لا سيما في الشرق الأوسط يفترض بالتالي أن يتمّ ترميم الداخل، وسيسلك الرئيس الأميركيّ بهذا الاتجاه بصورة جذرية وحازمة.
أمّا فحوى كلامه حول لبنان، فقد لاحظ المراقبون بأنّه لم يأت بشيء جديد، بل على العكس، فقد بدا كلاسيكيًّا ورتيبًا للغاية. كرّر ما كان يقوله أسلافه في البيت الأبيض، مشددين على دعم لبنان وجيشه، ودعم الجيش اللبنانيّ في المنظور الأميركيّ ومنطقه تبقى مسلّمة استراتيجيّة لكونها تحفظ للأميركيين أوراقهم في هذا البلد الصغير عن طريق الدغدغة التي يستلطفها اللبنانيون، والأميركيون مؤمنون في الحقيقة بضرورة استمرار لبنان في مدى الاستقرار، فاختلاله سيشكّل عبئًا كبيرًا على الجميع وله وظيفة التعميم على مستوى المنطقة بأسرها. لكنّ الملاحظ بأن ترامب انطلق من رؤيته إلى الإرهاب مساويًا حزب الله بتنظيم «داعش» و«جبهة النصرة» فيما حزب الله يقوم بحسم الوضع في الجرود الجرداء بلا هوادة مع «جبهة النصرة» لينكبّ على حسم الوضع مع تنظيم «داعش» في ما تبقى من الجرود. لينهي مؤتمره مع الحريري بمسألة النازحين حيث قال بأن الأميركيين ساعدوا بالمأكل والملبس والطبابة والضمان وتعهّد بمساعدة لبنان وكأنه بطريقة ملتبسة أوحى ببقاء النازحين السوريين في لبنان حتى يتمّ حسم الواقع الأمنيّ والميدانيّ.
في النقطة الأخيرة وهي مسألة النازحين، تساءل المراقبون الذين واكبوا المؤتمر الصحافيّ المشترك، هل عنى كلام ترامب بأنّ النازحين السوريين سيبقون في لبنان ضمن مفهوم الاندماج الديموغرافي في البنية اللبنانيّة، ولماذا لم يشدّد على ضرورة العودة، وضرورة الحلّ السياسيّ للأزمة السوريّة، الذي يبيح ويتيح عودة هؤلاء إلى قراهم ومدنهم وأراضيهم؟ لقد شعر حتمًا الوزير جبران باسيل المرافق للرئيس الحريري والذي كان حاضرًا اللقاء بأنّ هذه المسألة طامة جوهريّة وعقبة كأداء، والخلاصة بأنّ المجتمع الدوليّ وعلى رأسه الولايات الأميركيّة المتحدة التي تساوي في الأدبيات الترامبيّة بين تنظيم «داعش» «النصرة» وحزب الله، لا يأبه لهذه المسألة بل يأبه بتحميل لبنان عبئًا كبيرًا ضمن صفقة خبيثة، ويمكن هنا الاستنتاج بأنّ لبنان مدعوّ كحكومة إلى محاورة الحكومة السوريّة إذ ليس من سبل أخرى غير تلك السبل.
في جوّ المحادثات بين الرئيس الأميركيّ والوفد اللبنانيّ أشار المراقبون بأنّه لم يرشح شيء، لكن، ثمّة قرار سيعلن عنه الرئيس الأميركيّ خلال نهاية الأسبوع حول العقوبات على حزب الله، فيتوقّع أن يشدّد على تلك المسألة كمحاولة للضغط الماليّ والنفسيّ والمعنويّ فيما الحزب يقوم بعمليّة اقتلاع لتلك الدمل السرطانيّة من جذورها وشروشها. ويتوجّه عدد من المراقبين بسؤال وجيه: كيف الدمج في أدب واحد وسياق واحد بين الشيء ونقيضه؟ معنى السؤال المطروح ما دام الأميركيون مع الرئيس ترامب يرفعون لواء الحرب على الإرهاب وبخاصّة الحرب على تنظيميّ داعش وجبهة النصرة، وما دام حزب الله يقوم بنفسه بقتال جبهة النصرة ومن ثمّ داعش في الجرود وصولاً حتى الداخل والعمق السوريّ فلماذا التشدّد في العقوبات عليه ما دام الهدف واحد؟ هذا هو الشيء ونقيضه. واتجه بمضمون التناقض نحو الكلام الواضح «بأن حزب الله يمثّل تهديدًا للدولة والمنطقة والمنطقة وهو يعزّز تسليحه ويمثل خطر اندلاع نزاع مع إسرائيل»، وأردف قائلاً: «حزب الله يمثّل نفسه ولا يدافع عن مصالح اللبنانيين، لكن الحقيقة أن حزب الله يدافع عن مصالحه وعن مصالح إيران».
ذكّر كلام ترامب بقول للعلاّمة الراحل السيد محمّد حسين فضل الله موصّفًا السياسة الأميركيّة، فقد كان يقول بأنّ الأميركيين يرمون على الطاولة بالورقة الحمراء ومن ثمّ الصفراء والخضراء ومن ثم الحمراء بدفعة واحدة، لا يمكن أن يعرف واحدنا ما يريد الأميركيون...» وعلى هذا الكلام يعقّب كاتب سياسيّ بالقول إنّ الوصف الدقيق للسياسة الأميركية بوسائلها التقليديّة أنها دبلوماسية الضباب الذي يوشّح الجبال ويحجب الرؤية، إنها دبلوماسية الغموض وليس فيها شيء من صفاء. تعصف بالمؤامرات ولا يدري أحد بها، تجذب الناس إليها فيثقون بها ثمّ ترميهم خارجًا في أتون من خراب، والتجربة في لبنان وسوريا والعراق خير دليل، ألم تجذب الدبلوماسية الأميركيّة إيبريل غلاسبي صدام حسين لاحتلال  لتؤلّب عليه الدنيا، وتكون المقدّمة لطرده ومن ثمّ للتهيئة بدخول العراق في مرحلة لاحقة؟ فحذار من أن يصدق اللبنانيون الأميركيين.
إلى هذا توقف المراقبون عند بيان تيار المستقبل برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة، وانطلقوا في تشريحه، متساءلين عن المغزى من صدوره بهذه اللغة وبخاصّة بالدعوة إلى نشر القوات الدوليّة على الحدود مع سوريا، بمعنى توسيع رقعة القرار 1701 من الحدود مع إسرائيل إلى الحدود مع سوريا. أضاء المراقبون، على هذه الدعوة في لحظة زيارة الرئيس الحريري إلى واشنطن وفي لحظة القتال الشرس والحاسم الذي يقوده حزب الله من أجل لبنان بمكوناته وأطيافه وليس من أجل فريق واحد فقط. ينذر هذا البيان بانقسام عموديّ حاد، وهو انقسام يشبه إلى حدّ بعيد المرحلة ما بين سنوات 2005 وصولاً إلى 2008 تاريخ اتفاق الدوحة. وتشير أوساط سياسيّة بأن دعوة كهذه، وإن كانت جوفاء أمام واقع الاتفاق الأميركيّ-الروسي، إلاّ أنها تشي بأنّ هذا التيار على وجه التحديد إما هو منقسم بنيويًّا على ذاته أو إمّا انه أمام تبادل أدوار أو أنه يحاول غسل اليد من مسألة المواجهة في عرسال. لكنّه بلا شكّ وبمضمون هذا الكلام يدافع عن فريق بدأ بالاندحار، وتذكّر هذه الأوساط كيف أن هذا التيار غطّى عينًا المجرمين في عرسال، وتحديدًا قاتلي بيار بشعلاني وخالد زهرمان، وكيف تمّ سحلهما في عرسال، وكيف هذا التيار عينًا لم يتفاعل مع خطف العسكريين، بل على العكس قام بزيارة علي الحجيري مع عدد من صقور 14 آذار، في عرسال، وسلّموا بمبادرة أبو طاقية الملتبسة...
هذا البيان عينًا بالعمق السياسيّ لا شكّ أنه يصبّ في هذا المشهد السياسيّ وهو يتناقض مع بنود التسوية التي جاءت بالرئيس الحريري على رأس السلطة التنفيذية بتناغم وتجانس مع رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون. وتنتظر تلك الأوساط من  الحريري توضيح رؤيته من هذا البيان ومن كل ما يثار. وترى في كلام رئيس القوات اللبنانيّة الدكتور سمير جعجع مع مجموعة الإعلاميين بداية مهمة يمكن التعويل عليها في بناء حوار بنّاء على الرغم من التباين الإيدولوجيّ مع حزب الله، فاعتباره بأنّ هذا العمل جيّد وساهم بتحرير البلد من الإرهاب مدماك يجب أن ينظر إليه بإيجابية للانطلاق نحو محطة جديدة، محطة بناء الدولة بكلّ ما تحويه من مقومات ووجود بعد تحرير الأرض من الإرهابيين واستئصال أدرانهم السرطانية القاتلة.