إرتفع منسوب الهجوم اللاذع والشرس على حزب الله خلال الأسبوع الفائت بصورة متفاعلة ومتصاعدة، ضمن طبقتين متماسكتين في الجوهر وإن جاءت عناوينها مختلفة بالشكل والمعيار. ويحاول المهاجمون والمنتقدون تصوير الحرب على الإرهاب في جرود عرسال والقلمون وكأنّها تفرض ذاتيّة ولحظة جديدة مستثمرة لأوراق جديدة ومتوثّبة ومتأهّبة لفرض شروط على معظم المتساكنين في المدى اللبنانيّ وغير المتماسكين في اكتشاف المعاني المتجليّة خلف ما قام به الحزب ويستكمله الجيش اللبنانيّ من استئصال لتلك الدمل السرطانيّة المؤثرة بصورة وجوديّة على ديمومة الجسد اللبنانيّ في المعنيين الكيانيّ والكينونيّ-الميثاقيّ.
وقبل الصعود إلى الطبقتين واكتشاف دواخلها ومعانيها، لفتت الأوساط السياسيّة هذا العدد الكثيف والمتورّم لعناصر «جبهة النصرة» المتواجدين في جرود عرسال وقد بلغ ما فوق العشرة آلاف عنصر، والذين بدأوا بالانسحاب إلى إدلب عن طريق القلمون مرورًا بحمص ضمن صفقة مبرمة، هؤلاء كانوا متواجدين في بقعة واضحة، وقد كانوا يرسلون المتفجرات والأحزمة الناسفة ضمن فريق من الانتحاريين شكّلوا هذا الخطر على لبنان بمكوناته كلّها. وأفادت تلك الأوساط المراقبة، بأنّ الحرب التي خاضها حزب الله، كانت ضروريّة للغاية، واستراتيجيّة بفحواها، ووجوديّة بمقوماتها، إنها حرب تحرير للبنان من هؤلاء، وهي المقدّمة الفعليّة لصياغة تحالفات سياسيّة متوازنة وإرساء مفاهيم تعنى بالجوهر اللبنانيّ بمكوناته المتساكنة والمتواجدة.
لماذا إذًا هذا الهجوم اللاذع والشرس بوجه حزب الله؟
يستهدف المهاجمون حزب الله لأنّه أثبت في الصراع السوريّ وقبل الصراع السوريّ في مواجهته لإسرائيل، أنّه القوة الأفعل والأعتى عربيًا وإسلاميًّا وإقليميّا، وهي قوة متحررة من القيود ولا تحرّك بخيوط ولا تعمل بشروط مفروضة من الآخرين. إنّه حزب يملك نسبة عالية من الخصوصيّة الحرّة المتفاعلة مع كلّ القوى والدول، يؤمن بإيران كدولة حاضنة للثورة الإسلامية بنظامها العقيديّ ولم يأتمر بها البتّة، وقد اعترف قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني بعيد تحرير الموصل في العراق، بدور حزب الله المفصليّ في هذه العمليّة بمعزل عن إيران وقال: «أقبل يدّ أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله التي فعلت فعلها في تحرير الموصل، وهي عينها التي حررت جرود القلمون من فليطا واتجهت نحو جرود عرسال بعملية متكاملة الأهداف والشروط والعناوين».
وعلى الرغم من إعلان السيد نصرالله بأنّه سيعيد الأراضي المحررة إلى الجيش اللبنانيّ متى طلب ذلك، فإنّ القوى التي تهاجم الحزب تجيء من الفلك الأميركيّ-السعوديّ. وقد شاءت هذه القوى الانطلاق من الطبقتين باستهداف واضح لحزب الله ولكلّ القوى المتحالفة معه والمؤيدة لحربه على الإرهاب في سوريا ضمن مفهوم الحرب الاستباقيّة والتعبير لرئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، والحرب الردعيّة على الإرهاب في الأطراف والحدود، وهو مفهوم حمى لبنان من الحمم المتدحرجة نحوه بعناوين عديدة حارقة، تتجمع عناوينها في طبقتين: طبقة سياسيّة-اجتماعيّة، وأخرى دينيّة يستعر فيها النقاش حول ذميّة بعض المسيحيين في التعاطي مع الانتصارات التي حققها ويحققها الحزب بوجه الإرهاب التكفيريّ.
أ-الطبقة السياسيّة-اجتماعيّة: في هذه الطبقة، ثمّة خطّان يعيشان في كنفها، يتلاقيان ويتجانسان، ويؤلفان مضمون الهجوم على حزب الله بقوّة وشراسة، المنصوص عنه في مفكرات أخرويّة وهما:
1-خطّ الصراع في سوريا وهو لا يزال ساخنًا للغاية وإن بدا متجهًا نحو الحسم، ضمن مفهوم كامل وخطة واضحة تطهر الأرض من رجس القوى التكفيريّة. فتلك المفكرات تتحرّك بنودها من مدونيها، أي من القوى التي تتواجه على الأرض ضمن مشاريعها. هذا الخطّ المتصادم في سوريا، لا يزال يتدحرج بحممه نحو الداخل اللبنانيّ مؤثّرًا في الحسابات السياسيّة لفريق لا يزال يعيش ترف معارضته للمعركة التي خاضها الحزب في جرود عرسال وصولاً إلى جرود القلمون، فيما الحزب قدّم شهداء على مذبح لبنان، والحزب مؤمن كما عدد كبير من اللبنانيين بأنّ المعركة في تلك البقعة هي بالفعل مع إسرائيل التي استوردتهم واستهلكتهم وزرعتهم بالتعاون مع قطر والسعودية وتركيا، كأدوات لتمزيق المشرق العربيّ برمته. ويخشى المراقبون من أن تؤثّر تلك الحمم المتدحرجة بواسطة تلك المواقف على المساكنة التسووية التي أنتجت العهد برئاسة العماد ميشال عون وكرست سعد الحريري رئيسًا للحكومة. ويحذّر المراقبون من تأثيرات هذا التدحرج فهي خطيرة للغاية وتنذر بخلل كبير، وعلى الرغم من تلك التحذيرات فالمراقبون متيقنون بأنّ استئصال الدمل السرطانيّة تلك من الأطراف الحدوديّة ستنساب تأثيراته نحو الداخل بواسطة القوى المؤثرة على القرار الداخليّ. فمن شأن تلك المعركة ترسيخ الاستقرار ومنع دخول لبنان في أتون الانفجار، هذا خطّ أحمر يصعب تجاوزه من أي طرف من الأطراف.
2-خطّ الصراع السعوديّ-القطريّ، والسعوديّ-الإيرانيّ، فهو خطّ حديث العهد ولكنّه متوتّر للغاية، ومتواصل بمفاهيمه مع الخطّ الأول، من حيث التعليب والتغليف لأفرقاء سياسيين داخليين. ليس من انفصام بين الخطّ الأوّل السوريّ والخطّ الثاني الخليجيّ، فالأذرع هي عينها، وهي تتحرّك وفق القواعد المرسومة ضمن المفردات عينها وتحاول أخذ لبنان إلى الخلاء ضمن خطّة وضعت ضمن مستويين، مستوى سياسيّ وآخر اجتماعيّ-اقتصاديّ يشاء تجويف العهد من مضمونه الإصلاحيّ الهادف. فثمّة من يقول قولاً ويبدّل فعلاً في علاقته مع سيد العهد، والهدف من عملية التجويف السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والمعيشيّة، وجذب اللبنانيين إلى المزيد من الكفر بالعهد والتسوية والمقاومة وكلّ شيء في لبنان. وهذا ما بدأ فعلاً يتصاعد في الأوساط الشعبيّة اللبنانيّة.
2-الطبقة الدينيّة: لقد تدخلت القوى السياسيّة المعارضة لحزب الله في حربه، انطلاقًا من تصريح الرئيس السابق فؤاد السنيورة وصولاً إلى بيان كتلة المستقبل الأخير. وتقول بعض المعلومات الواردة عند المراقبين، بأنّ السنيورة بصورة شخصيّة، سلك السلوك عينه الذي سلكه بوجه كلام صدر عن رئيس دائرة العلاقة بين الكنيسة والمجتمع في الكنيسة الروسيّة المتقدّم في الكهنة فسيفولد شابلين، معلنًا بأنّ الحرب على الإرهاب أخلاقيّة ومقدّسة، فسخّر هذا المعنى بتضامن خفيّ مع القوى التكفيريّة، وهوّل بأنّ معنى الكلام سيقود العلاقة المسيحيّة-الإسلاميّة إلى المزيد من الخلل فالمسلمون سيرون بمسعاه صليبيّة جديدة، فاستولد من رحم هذا الكلام شخصيات مسيحيّة تدور في فلكه، وعملت على تجنيد كهنة ولاهوتيين مسيحيين في مواجهة تصريح الأب شابلين آنذاك بتوصيفه الحرب على الإرهاب بالأخلاقية والمقدسة. ما حصل بأنّ السيناريو عينه قد اتبع بعيد تحقيق انتصار حزب الله في معركته الأخيرة وفي معاركه في الداخل السوريّ، فتمّ تجنيد الرموز عينها بلا تعديل، وسال حبر كهنوتيّ ينتقد فيه تعاطي المسيحيين سياسيًّا مع حزب الله بأدبيات ذميّة، فبدلاً من دفع الجزية يتمّ الدفع بالمواقف السياسيّة الخاضعة. نخب مسيحيّة محايدة في فكرها اللاهوتيّ-السياسيّ أكّدت ردًّا على تلك الأدبيات بأنّ هذا الأمر غير وارد. فمن يحارب الإرهاب التكفيريّ الذي يعيش خارج دائرة الزمن والكون، وينصّب نفسه على أنّه هو الشريعة لجميع الناس، لا يحارب لأجل ذاته بل لأجل كلّ المسيحيين والمسلمين على السواء، ومن أجل استقرار الأمن العالميّ بسقوفه الأمنية والاقتصاديّة والسياسيّة. وتعيد تلك المصادر المشهد إلى ما حصل من سهل نينوى والمناطق المسيحيّة في سوريا من صيدنايا إلى معلولا ووادي النصارى وحمص ونهر الخابور ومحردة وكسب... وهو مشهد صاعق بحجم التدمير والتهجير والقتل والخطف، كمثل خطف راهبات معلولا وقبلهما المطرانين بولس يازجي ويوحنّا إبراهيم...فحين قالت الكنيسة الروسية بأنّ الحرب أخلاقية ومقدّسة على المجرمين والقتلة ثارت ثائرة القوم، وحين ساهم حزب الله بتحرير هذه المناطق أو بعضها وساند المسيحيين كما المسلمين، وصولاً أخيرًا إلى تطهيره جبال القلمون وجرود عرسال من الإرهابيين، ثارت ثائرة القوم فهل يريد هؤلاء القوم بقاء الإرهاب التكفيري برموز شيطانية مهيمنًا وقاتلاً؟
في مقابل ذلك مصادر مقربة من حزب الله، سخرت من هذا الكلام، ذلك ان ثمّة تشديدًا من أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله باحترام المقدسات المسيحيّة والتعاطي مع المسيحيين كأهل وأحبة وأصدقاء وإخوة. ليس في أدبيات حزب الله الحديثة ما يظهر تلك الخلفية في التعاطي، فالحزب يحرر الأرض ويقوم بعد ذلك سواء في لبنان وسوريا إلى إعادتها للسلطات المختصة، وليس له على الإطلاق أن يملي شروطه وعقيدته على أحد، فالأرض المحررة ملك للدولة هنا وهناك وهي ملك للشعب هنا وهناك على تنوعه وتعدّده. الحزب يقوم بحرب تتخذ صفات عديدة من وقائية إلى ردعية وقبل ذلك استباقية، وهو لا يطلب شهادة حسن سلوك من أحد.
في النهاية لا تزال المواجهة مستمرة حتى نهاية الحسم الميدانيّ بحلته النهائيّة في سوريا، كما حسم الوضع في الموصل والعراق بصورة عامّة. فمتى انتهى الحسم الميدانيّ وانطلق الجميع نحو تثبيت الحلّ السياسيّ، حينئذ ستبصر جميع القوى السياسيّة أحجامها في عملية التأليف للخريطة السياسيّة اللبنانية بلا فرض ولا ورفض. فالقطار في لبنان سيمشي ومن يدخله يبلغ الهدف وفقًا للقاعدة القائلة: When There is a will there is a way، حين يكون الهدف تتعبّد الطريق. والهدف استقرار لبنان باستقرار عهده بكلّ المعاني والأبعاد.