لم يتوافر لدائرة انتخابية في لبنان، ما هو متوافر في دائرة مرجعيون ـ حاصبيا ـ النبطية، لجهة التنوع الطائفي والمذهبي والسياسي والحزبي، دائرة غنية بالتناقضات والتأثيرات والتحالفات ستكون على موعد مع حسابات دقيقة ستُفرض على القوى والاطراف التي تحظى بالتأثير الانتخابي، انطلاقا من ان حسابات انتخابات الـ 2018، مختلفة عن حسابات كل الانتخابات التي جرت في تاريخ لبنان، من حيث شكل القانون المعتمد، وهو قانون ما زال «الاقوياء» انتخابيا وسياسيا يحسبون له الف حساب، لتجنب ما هو غير المتوقع.
لم يألف اللبنانيون، طوال سنوات حرب العام 1975، وحتى تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي عام 2000، مشهد «الكوكتيل» الطائفي والمذهبي والسياسية السائد اليوم في مختلف اقضية الجنوب، وتعزز المشهد مع ورقة التفاهم بين «حزب الله» والتيار الوطني الحر، وعودة الاحزاب المسيحية التي كان حضورها محظورا، جراء تراكمات انتجتها الحروب المتنوعة، ومنها الاجتياحات والحروب التي شنها الاحتلال ضد لبنان انطلاقا من بوابته الجنوبية، وتسعى الاحزاب المسيحية في مناطق انتشارها الشعبي في القرى والبلدات ذات الاغلبية المسيحية والقى التي فيها خليط طائفي، ان تُعوِّض عن سنوات غيابها عن الساحة الجنوبية، وبخاصة في الاستحقاقات الانتخابية، ومنطقة مرجعيون ـ حاصبيا ـ بنت جبيل ـ النبطية، واحدة من الدوائر الانتخابية التي ستُظهر حجم هذه الاحزاب.
حتى الآن، لا قراءة «انقلابية» للواقع الانتخابي في دائرة مرجعيون ـ حاصبيا ـ بنت جبيل ـ النبطية، على الرغم من المناخ السياسي الذي يراهن على تغيير ما، ولو طفيف، بقي محصورا بـ«اهل اليسار» المُشَتَّت، وان كان عماده الحزب الشيوعي اللبناني ينادي بوحدتهم لمواجهة «لوائح السلطة»، التي بدأت معالمها ترتسم، وسط اعتقاد سائد لدى البعض بأنها ستشكل نسخة «طبق الاصل» عن نسختها القائمة اليوم، مع توافر امكانية تحقيق خروقات لم تكتمل شروطها بعد، بفعل تنامي قوة الثنائية الشيعية وتأثيرها الشعبي في القرى والبلدات ذات الاغلبية الشيعية، وفي ظل عدم تبلور تيار عريض قادر على تغيير موازين القوى ورسم معادلاتها على مستوى الانتخابات النيابية.. والبلدية ايضا، وان بقانون يحمل بعض جوانب «النسبية» التي تراها جهات سياسية واسعة انها «نسبية مشوَّهة» لكن تبقى افضل من قانون الـ 60 وقوانين «الاكثري» التي اعتمدت منذ انتخابات العام 1992.
وحين تتحدث الاحصائيات عن ان الغلبة الانتخابية للناخب الشيعي في دائرة مرجعيون ـ حاصبيا ـ بنت جبيل ـ النبطية، (13 مقعداً موزعة على الشكل الآتي 10 للشيعة، مقعد ارثوذكسي، مقعد سني ومقعد درزي ) فانها تشير الى قوة الثنائي الشيعي في رسم المسار العام لهذه الانتخابات، وهذا لا يعني نفي قوة وتأثير الناخبين في الطوائف والمذاهب الاخرى ، وفي هذه الدائرة يبرز التأثير القوى للناخب الشيعي، ففي قوانين الانتخابات القائمة على الاكثرية لا امل في الوصول الى مجلس النواب من دون الالتحاق باللائحة التي تجمع تحالف الثنائي الشيعي، اما في حال «النسبية» اليوم، فالامل بحصول مفاجآت تحقق خرقا يبقى قائما، فيما لو تشكل تحالف انتخابي عريض يضم قوى وتيارات واسعة مع حسابات الصوت التفضيلي والحاصل الانتخابي، الا ان طبيعة القوى التي ستتنافس، لا تسمح طبيعتها باقامة تحالفات انتخابية انسجاما مع معتقداتها وتوجهاتها السياسية.
ثمة من يجزم ان «عجقة» مرشحين عن المقعد الارثوذكسي ستسجل في انتخابات دائرة مرجعيون ـ حاصبيا ـ النبطية، سيعكسون الصراعات السياسية القائمة في البلد، لكن تبقى الغلبة الشيعية في هذه الدائرة، قادرة على الحد من حجم الطموحات التي يحملها البعض، والامال التي يعلق عليها البعض الآخر، وستحصن المقعد الارثوذكسي الذي يتعامل معه «الثنائي الشيعي» على انه الحصة النيابية المخصصة للحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي «حَلَب صافي» مع «حزب الله» والرئيس نبيه بري، في الملفات المحلية والاقليمية، وبخاصة في ملف الحرب على سوريا، والمشاركة العسكرية التي قدمها الحزب، دعما لمحور المقاومة.
كل المعطيات المتوافرة عن العيون المتجهة نحو المقعد الارذوكسي، تؤكد ان «الثنائي الشيعي»رسم خطا احمر لحماية المقعد الذي خُصص للحزب السوري القومي الاجتماعي ويشغله النائب اسعد حردان، منذ اول انتخابات نيابية جرت عقب اتفاق الطائف في العام 1992.
ما هو متوقع حول المقعد الارثوذكسي في قضاء مرجعيون ـ حاصبيا، ان تجري ترشيحات من قبل نائب رئيس الحكومة السابق عصام ابو جمرة الذي تولى منصبه الحكومي قبل ان «يتمرد» على الجنرال الرئيس ميشال عون والتيار الوطني الحر قبل سنوات، اضافة الى حديث  في الصالونات عن ترشح المدير العام السابق للصندوق المركزي للمهجرين شادي مسعد والرئيس السابق للاتحاد العمالي العام الياس ابو رزق، وثمة من يؤكد ان «حزب الله» يعمل على خط التيار الوطني الحر لعدم الاصطدام بترشيح حردان، وهذه المعالجة هي من ضمن التفاهمات القائمة على احترام التركيبة السياسية في المناطق غير الخاضعة لنفوذ قوي للتيار، ومنها منطقة مرجعيون ـ حاصبيا ـ النبطية، التي تختلف تركيبتها عن التركيبة الجزينية.
اما لجهة المقعد الدرزي الذي يشغله النائب انور الخليل، منذ العام 1992، فلا مؤشرات عن تغييرات في ترشيحات اللائحة التي ستضم التحالف الشيعي، في ظل غياب لاي طموح جنبلاطي، بل هناك توافق مع الرئيس بري حول احتفاظ الخليل بمقعده، وفي مجمل الاحوال، فان الحسابات الدقيقة الجارية على غير صعيد، ستُبقي على الخليل مرشحا قويا عن المقعد الحاصباني الدرزي، فيما المقعد السني الذي يشغله النائب قاسم هاشم، سيكون خاضعا لحسابات الرئيس نبيه بري و«حزب الله» في تمثيل حزب البعث العربي الاشتراكي، ومنافسة «تيار المستقبل» لقاسم في بلدته شبعا، لم تصل بعد الى مرحلة الجدية، في ظل غياب اي تحالف يجمع «المستقبل» مع احزاب وتيارات مؤثرة لمنافسة المرشحين المدعومين من الثنائي الشيعي.
فيما يبقى على الخارطة الحزبية والسياسية في دائرة مرجعيون ـ حاصبيا ـ النبطية، الحزب الشيوعي اللبناني الذي يحظى بنفوذ شعبي وانتخابي واضح، وهو يتوجه لخوض الانتخابات لمواجهة ما يسميه «لوائح السلطة»، من خلال تجميع قوى اليسار والمستقلين  في جبهة واحدة، علّها تستطيع احداث تغيير في الواقع الانتخابي، في رهان نسبي على قانون «النسبية»، اما الجماعة الاسلامية التي ينحسر وجودها في عدد من القرى السنية، بخاصة في منطقة العرقوب في قضاء حاصبيا، فانها لن تكون في صدد خوض الانتخابات عن المقعد السني في حاصبيا، لتعذر قيام تحالفات ذات وزن، وهو امر متعذر امامها، هذه المعطيات تنطبق على «تيار المستقبل» الذي يبدو حضوره الجنوبي متواضعا، رغم نفوذه في قرى وبلدات حدودية في قضاء صور وفي شبعا وقرى العرقوب، كذلك الامر بالنسبة لحزب الكتائب والقوات اللبنانية اللذين يشهدان انطلاق جديدة في مناطق غابا عنها لاكثر من اربعة عقود.