يواصل الجيش اللبناني معركته في جرود رأس بعلبك والقاع بهدف إنهاء وجود تنظيم «داعش» منها، كما من جرود عرسال التي هي على تماس معها، لكي يسيطر لاحقاً على المنطقة الحدودية مع سوريا ويمنع أي محاولة تسلّل للمسلّحين التكفيريين اليها مجدّداً. وصحيح بأنّ المعركة محفوفة بالمخاطر نظراً لتعقيدات المنطقة جغرافياً، إلاّ أنّ القرار قد اتخذ، على ما أكّدت أوساط سياسية عليمة، بتنظيف المنطقة الحدودية كاملة من الإرهاب، وإعادتها الى كنف الدولة اللبنانية.
وإذ يخشى البعض من عودة هؤلاء الإرهابيين عبر معبر حدودي ما في المستقبل، لا سيما وأنّ الحدود السورية غير مضبوطة أمنياً من جهة، ولأنّ حلم التنظيم بإقامة دولته الإسلامية قد لا يزول سريعاً من جهة ثانية، حتى ولو انتشر الجيش اللبناني في المنطقة الشمالية، ولهذا يُطالب بنشر قوّات دولية في المنطقة الشرقية والشمالية الحدودية، فإنّها أكّدت أنّه ليس من طلب من قبل الحكومة للأمم المتحدة بخصوص اتخاذ قرار جديد خاص بالشمال من مجلس الأمن على غرار القرار 1701 الذي أوقف الأعمال العدائية بين لبنان («حزب الله» تحديداً) وإسرائيل في الجنوب.
وبرأيها، فإنّ الذي يُطالب اليوم بنشر قوّات دولية خوفاً من مساندة «حزب الله» للجيش اللبناني في المنطقة الشمالية الحدودية، عليه بدلاً من ذلك أن يسعى الى حصول الجيش على المساعدات العسكرية اللازمة من الدول الكبرى، لا سيما من الولايات المتحدة الأميركية، من دون أن تضع شروطاً معيّنة مقابل هذه التقدمات. فالحزب لا يزال في سوريا، كما هو موجود في الجنوب، وقد قام بمعركة جرود عرسال أخيراً وتمكّن من الإنتصار فيها وتطهير المنطقة من مسلّحي «جبهة النصرة» وعائلاتهم، وكلّ ذلك بواسطة سلاحه الخاص. لهذا فإنّ المخاوف الأميركية من أنّ التنسيق بين الجيش والحزب في معركة رأس بعلبك والقاع، قد يؤدّي الى حصول الحزب على أسلحة الجيش لا أساس لها من الصحة.
فترسانة «حزب الله» المتطوّرة التي تخيف إسرائيل وتأتيه من إيران، وهو يُعلن ذلك من دون أي تردّد، على ما أكّدت، تجعله مكتفياً على المستوى العسكري وليس بحاجة بالتالي الى الأسلحة التي تقدّمها الولايات المتحدة أو سواها للجيش اللبناني بهدف القضاء على المجموعات الإرهابية التابعة لتنظيم «داعش» في المنطقة الشمالية وإنهاء وجودها. ولهذا لا يُمكن لأحد أن يفرض على الجيش مع أي جهة عليه أن يتعاون أو يُنسّق عسكرياً بهدف كسب المعركة التي يخوضها حالياً بكلّ قوّة وجدارة، والتي من شأنها أن تعيد له اعتباره بعد وقف معركة عرسال في العام 2014 واستقرار الإرهابيين في الجرود، فضلاً عن احتجازهم لـ 29 عسكرياً لبنانياً من الجيش وقوى الأمن الداخلي.
علماً أنّ «جبهة النصرة» قامت بإعدام 4 عسكريين قبل أن تُوافق على إطلاق سراح 16 محتجزاً لديها لنحو أكثر من عام، في إطار صفقة تبادل حصلت بوساطة قطرية ضمنت الإفراج عن 13 موقوفاً إسلامياً هم 4 سوريين، وفلسطينيان، ولبنانيان، إلى جانب 5 سجينات من بينهنّ سجى الدليمي (الزوجة السابقة لزعيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي) مع أطفالها الثلاثة الذين كانوا معها في السجن. فيما لا يزال «داعش» يضع قبضته على 9 عسكريين ويرفض الكشف عن مصيرهم. غير أنّ الجيش يضع في الإعتبار إعادة هؤلاء الجنود الى عائلاتهم وذويهم من ضمن أولوياته خلال معركته الحالية، وتتوقّع الأوساط نفسها خيراً من مسعاه.
وتجد بأنّ تنظيف المناطق المحاذية للحدود اللبنانية من الجانب السوري يمنع وجود عناصر التنظيمات الإرهابية فيها، وبالتالي يُساعد كثيراً على عدم تسلّلها مجدّداً الى الجانب اللبناني. وهذا ما يحصل في غالبية المناطق المحاذية للحدود لا سيما بعد أن تمّ تحريرها من قبل جيش النظام، ولهذا فالحاجة الى نشر قوّات دولية، على ما لفتت، لن تكون ضرورية عندما يستلم جيش كلّ بلد أمن وسلامة حدوده.
كما أنّ وجود الجيش اللبناني حالياً في بلدة عرسال والجرود، وانتشاره لاحقاً في جرود رأس بعلبك والقاع بعد تحقيق النصر في معركته يُرسي اطمئناناً في نفوس الأهالي، وهم يُشجّعونه دائماً على استكمال معركته ويقفون الى جانبه في وجه أي إرهابي. ومن ثمّ يأملون ببقائه في المنطقة للمحافظة على الأمن والإستقرار على الحدود، ولا يُطالبون بأي قوّات أخرى، لا سيما وأنّ أبناء بلدة القاع بغالبيتهم منخرطون في المؤسسة العسكرية، ولهذا لا يريدون عن وجودها بديلاً.
كذلك فإنّ ابناء بلدة القاع قد أظهروا بسالة مميزة العام الماضي عندما قام تسعة من التكفيريين بسلسلة عمليات تفجيرية فيها، ما أدّى الى استشهاد خمسة من خيرة أبنائها، ولهذا فهم جاهزون اليوم، على ما أفادت المعلومات، لمساندة الجيش ومساعدته في كلّ ما يحتاجه. كما أنّهم قادرون على ردّ أي محاولات تسلّل من قبل الإرهابيين الى داخل البلدة لانّهم مستنفرون ويواكبون كلّ ما يحصل من عمليات للجيش في الجرود.
وفيما يتعلّق بترسيم الحدود مع الجانب السوري، فإنّ هذا الأمر لا يمكن الحديث عنه في المرحلة الراهنة، على ما أشارت الأوساط نفسها، لأنّ الأوضاع الأمنية لا تسمح بذلك. إلاّ أنّ الأمر سيكون حتماً موضع بحث بين الجانبين اللبناني والسوري لدى انتهاء المعارك وتحرير الحدود من عناصر التنظيمات الإرهابية. كذلك فإنّ الحكومة اللبنانية ليست بوارد طرح هذا الأمر في الجمعية العامة للامم المتحدة التي تُعقد في أيلول المقبل، قبل التوصّل الى حلّ نهائي للأزمة السورية، وإن جرى التطرّق لها في بعض اللقاءات الثنائية للمسؤولين اللبنانيين المشاركين فيها.
وإذ يقوم الجيش حالياً بعمليات القصف المركّز على مواقع وتحرّكات عناصر تنظيم «داعش» في جرود رأس بعلبك والقاع، على أن يقوم بتكثيفها لاحقاً بهدف تحرير نحو 200 كلم مربع من ألأراضي اللبنانية التي يسيطر عليها التنظيم، كشفت الأوساط أنّه يضع خطة محكمة لإنهاء وجود «داعش» بشكل سريع من هذه الجرود، من دون الشروع في التفاصيل. وما يُمكن تأكيده هو أنّ المعركة لن تطول وستنتهي قريباً لصالح الجيش اللبناني، وسط المعلومات الوافدة من الجرود عن بدء تضعضع عناصر التنظيم وفرار قادتهم وما الى ذلك، ما يصبّ في مصلحة الجيش والشعب ولبنان..