«فجر الجرود» سطع وهلّ نوره فوق هاتيك الجبال، لينبئ اللبنانيين بأنّ لهم وطنًا كاملاً يولد من رحم الدماء المهراقة ومن قلوب ووجوه نحتها الفجر بفخر، وبجباه عالية تشبه علوّ الجبال وصلابة تشبه صلابة الصخور. جيش لبنان لا يقود سوى إلى الفجر المكلّل بالنصر، فقد ذهب إلى الجبهة بعقيدة قتالية واحدة، وبروح متوثّبة مجبولة بالقيم الوطنيّة السامية، يحمل في قلبه وعقله فرح الحياة المبثوثة في اللبنانيين على تنوعهم، ويفجرها بوجه زارعي الموت بثقافته العبثيّة، ويحرّر الأرض من رجس منظمة ليس هدفها سوى أخذ الزمن إلى اللازمن وخطف الرؤى نحو اللارؤى، ونهش اللحوم وسفك الدماء ضمن منظومة الفوضى الخلاّقة المتغلغلة في بنيتنا منذ أكثر من ست سنوات.
قبل «فجر الجرود»، وقف الجيش إلى جانب المقاومة في منطقة غير بعيدة عن رأس بعلبك والقاع، وهي جرود عرسال وخاضا معركة تحرير وعملية استئصال تكلّلت بالنجاح، فعادت الأرض إلى لبنان وخرج من خرج إلى مصيره الضبابيّ والمبهَم في إدلب.
يزيّن لمتابعي المعارك بإيقاعها وتفاصيلها، بأنّ السؤال المطروح داخليًّا وخارجيَّا غير محصور في جوهر المعركة بل في جوهر ما بعد المعركة بالنتائج الكامنة خلفها والمؤثّرة في الجيّز السياسيّ اللبنانيّ. فالمعركة كما رآها خبراء كثيرون محسومة، والحسم مأخوذ بمعاييره المتعددة إلى تفسير منطقيّ وواقعيّ لمعنى التضامن العضويّ وغير المنفصل لا في التوقيت ولا في الحراك ولا في الانعطاف ولا في التوجّه بين مثلّث تفاعل وتساند على الأرض وهو الجيش اللبنانيّ من الجهة اللبنانيّة، والجيش السوريّ من الجهة السوريّة والمقاومة في الجهتين. وفي مطلق الأحوال تقرأ بعض المصادر هذا التساند والتعاضد بأنّه معطى جديد مأخوذ ومشدود إلى حركة نوعيّة ستتجلّى في العلاقة بين لبنان وسوريا على إيقاعين أساسيين، إيقاع الحسم الميدانيّ، وفيه سيسحق رأس الأفعى في سوريا كما سحق في العراق، وإيقاع التسوية السياسيّة المنتظرة لسوريا وللمنطقة بأسرها والمتمنطقة عناوينها في الأحداث المتحركة من الخليج العربيّ إلى مشرقه وهي ستقود بدورها إلى تأمين الأرضية لحلّ القضيّة الفلسطينيّة ضمن صيغة الدولتين...
بالعودة إلى تفاعل هذا المثلّث العضويّ في المعركة الأخيرة وما قبلها، فإنّ أوساطًا سياسيّة أبدت بأنّ التفاعل ليس وليد الظروف، بل هو وليد العوامل المقاومة والمواجهة للظروف، والعوامل متأصّلة ببنية لبنان وسوريا والمشرق، يحتمها الإرهاب عينه كما يكشفها منطق الصراع في المنطقة المتصل جوهرًا بالقضيّة الفلسطينيّة. وتوقفت تلك الأوساط عند بعض النقاط الأساسيّة منها:
1-الجذور الإسرائيليّة للإرهاب والدور الخليجيّ المموّل له: لقد سعى الإسرائيليّون غير مرّة إلى تمزبق الأنظمة المحيطة بهم، فهم كما خاضوا حروبًا مباشرة ضدّ لبنان والمقاومة فيه، وكما خاضوا حروبًا بوجه العرب سواء على جبهات الجولان وسيناء ومن ثمّ جنوب لبنان، فقد امتدوا نحو سوريا والعراق ومصر والأردن ولبنان، وزرعوا في هذه الأحشاء تلك المنظمات الرافضة لكل آخر والمكفرة له، حتى تذوب قضيّة فلسطين في معنى التمزّق المنشود إسرائيليًّا. وقد أطلّ الإرهاب حتى أوروبا والبارحة أحرق برشلونة في إسبانيا، كمحاولة واضحة لأخذ أوروبا بدورها إلى صدام دينيّ بين المسيحيّة والإسلام أو صدام حضاريّ بين العلمانية والإسلام، من أجل المزيد من الضغوط بلوغًا نحو المزيد من عرقلة الصراع في الشرق الأوسط. أمام ذلك إنّ حزب الله الذي قاتل في الداخل السوريّ، والجيش اللبنانيّ الذي قاتل ويقاتل على الحدود، والجيش السوريّ في الداخل السوريّ، هم في عملية اقتلاع لتلك الجذور من باطن الأرض، بمعنى أن معركة رأس بعلبك كما معركة جرود عرسال وصولاً إلى جبال القلمون وصولاً إلى الداخل السوريّ تبقى بوجه إسرائيل بالدرجة الأولى ومن يدور في فلكها.
2-الحدود المشتركة: من البديهيّ أن توحّد الحدود المشتركة بين لبنان وسوريا القتال المزدوج أو القتال الواحد في البلدين، فوجود «داعش» وامتدادها على حدود البلدين وفي داخلهما يبيح هذه النوعية في القتال، بل هذه النوعيّة في التعاون والتنسيق العسكري والأمنيّ. تكشف بعض المعلومات الواردة بأنّ الجيش اللبنانيّ ما انفك لحظة واحدة عن التعاون مع الجيش السوريّ على مرّ السنوات السالفة، وقد أثمر هذا التعاون على كشف معظم الخلايا ومشاتلها، وكان حزب الله بدوره موجودًا في صلب التعاون. لا تنتهي المسألة ولن تتحجم بهذا السياق الحصريّ بل هي متجهة نحو سلوكيات متطورة ومنظورة المدى تصبّ في منهجيّة العلاقة بين سوريا ولبنان وبين الحكومتين والدولتين في البلدين. من هنا ترى بعض المصادر بأنّ المرحلة السياسيّة بكلّ تجلياتها مأخوذة إلى النتائج المرسومة من أرض المعركة، ومتوقّع لها أن تتوسّع الرؤى الخاصة بها والخاضعة لها من الميدان السوريّ واللبنانيّ إلى التسوية السياسية في سوريا وإلى الانتخابات اللبنانية في لبنان بتحالفاتها. من هنا إن طبيعة الحدث العسكريّ ستتكرّس عناوينه بطبيعة النمط السياسيّ الجديد.
3-التسليم بنتيجة واحدة: المعارك المتجهة في سوريا نحو الحسم الميدانيّ، على غرار ما حصل في عملية «فجر الجرود» تقابلها من الجانب السوريّ عملية «إن عدتم عدنا»، تقود بتفاصيلها إلى نتيجة واحدة، وهي ثبات النظام ورسوخه في الأرض السورية برئاسة بشار الأسد، ويأتي الثبات من ضمن تسوية سياسيّة سبق وتمّ الكلام عليها. وتشير المصادر إلى أنّه إذا كان الميدان يقود إلى تلك النتيجة والتواصل السياسيّ الدوليّ والإقليميّ يوصل إلى النتيجة عينها، ومسار الأحداث المتدهورة في الخليج يقود إلى نهاية أو ضمور الإسلام السياسيّ، فلماذا في لبنان ثمّة من لا يزال يرى نفسه في موقع مختلف ولا يسلم بواقعية بتلك النتيجة؟
في المعطى السياسيّ الداخليّ المتفاعل مع واقع الأحداث، أوضحت زيارة الوزراء اللبنانيين إلى سوريا الصورة السياسيّة المكملة لمعركة فجر الجرود وإن عدتم عدنا، وترجح المصادر نسبة لبعض المعطيات، بأنّ التيار الوطنيّ الحرّ متكامل مع جوّ تلك الزيارة ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون غير بعيد عنها، ورئيس الحكومة سعد الحريري المتفاهم بقوّة مع التيار بل الحليف الكبير له، لائذ بالصمت ليس بسبب رفضه أو معارضته بل بسبب متابعته لمسار الأمور واكتشافه بالتالي بأنّ سوريا بعيدة كل البعد عن اغتيال والده، وهو قد برّأ رئيسها بشار الأسد سنة 2010 بضغط مباشر آنذاك من الملك عبدالله العاهل السعوديّ الراحل بسبب إدراكه بان سوريا لا علاقة لها بهذه الجريمة. وعلى هذا فإنّ مسارًّا جديدًا بدأ يتكوّن في الداخل اللبنانيّ تبعًا لنتائج الأحداث وتطورها يرتكز على حلف ثلاثيّ قوامه التيار الوطنيّ الحرّ، وتيار المستقبل وحزب الله. وتشير المصادر عينها بأنّ الحوار بين حزب الله وتيار المستقبل بلغ مرحلة متقدمة من التفاهم تمثّلت بالانتخابات النيابية وصولاً إلى الحكومة الأولى بعدها، ويبقى الشقّ السوريّ من النقاش بحيث لا يزال الحريري يدرس تطوراتها والدور السعوديّ الجديد من خلال ما سيمثله ويظهره ويبديه وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان.
تبقى قضيّة السلاح، إنّ معارضة بعض القوى لسلاح حزب الله، تبقى هشّة في المدى المنظور. لقد ثبت السلاح مفهوم القتال الاستباقي في سوريا وعلى الحدود والردعي في الجنوب، وأثبت هذا السلاح من خلال معركة الجرود تلاحمه مع سلاح الجيش اللبنانيّ وتكامله معه، واستعمال هذه الورقة من قبل بعضهم لن تكون مثارًا للاهتمام والرد بحسب مصادر مقربة من الحزب، فسيأتي يوم غير بعيد وسلاح المقاومة بالفعل لا بالقول سيسلم إلى جيش لبنان العظيم والبطل.
معركة «فجر الجرود»، بدء حياة سياسيّة جديدة للبنان، وما على اللبنانيين سوى أن يستفيدوا منها ليستكملوا عناصر بناء وطنهم وتنظيفه من الإرهاب حيث جزء منه لا يزال متمركزًا في مخيم عين الحلوة، ومن الفساد مع دولة جديدة ومضيئة وعادلة لا شكّ أنها آتية وفجرها بازغ.