ننحني امام كل نقطة دم سقطت من ضابط او جندي .ننحني امام كل ثكلى لأن صرختها هي التي تمثل لبنان، لا صراخ اولئك الساسة الذين تعاطوا، فولكلورياً، مع الحدث، وحيث لا فارق بين اللغة الخشبية واللغة الدونكيشوتية في التسويق لانفجار البلاد من ادناها الى اقصاها ...
لا نشك لحظة ، وقد سمعنا ذلك من خبراء ومن ملحقين عسكريين، في فاعلية، وفي تميز، المؤسسة العسكرية ، دون ان نغفل الاشارة الى مناقبية قائد الجيش العماد جوزف عون الذي اثبت انه رجل الأرض، الأرض التي هي أمنا، لا رجل الشاشات ولا رجل الأروقة الخلفية...
لا يمكن ان نتغاضى عن بطولات الضباط والجنود في الميدان، ولا عن كفاءة الذين في غرفة العمليات، او الذين امضوا أياماً وأياماً وهم  يدرسون، ويرصدون كل ما يتعلق بالمعركة.
المعركة التي تحمل عنواناً واحداً ، وكما قال الرئيس ميشال عون,الانتصار بتحرير الأرض وباعتاق الحقول والبساتين والمزارع التي  كانت في قبضة من مهنتهم  القبض على الأرواح...
هنا لا بد من مقاربة الحقيقة بالحقائق. ثمة من كان يضغط ، واتصل ببعض الجهات الأميركية، علّ واشنطن تتدخل في حرب الجرود لا لمؤازرة الجيش اللبناني، وانما لتكريس وضع في السلسلة الشرقية يكون قاتلاً بالنسبة الى البنية الاستراتيجية لـ«حزب الله».
لا بل ان هناك في الادارة، الادارة التي تترنح بفعل ذلك المهرج الذي قد يحزم حقائبه قريباً ويغادر البيت الأبيض ، من كان يدفع في ذلك الاتجاه. على رأس الدولة، ونقولها بالفم الملآن ، من وقف في وجه السيناريو(الفضيحة) التي لا بد ان تفضي الى خراب لبنان...
لا مجال للتشكيك في حساسيةالعلاقة بين لبنان والولايات المتحدة التي اذ ترى في «حزب الله» منظمة ارهابية زودت وتزود الجيش بمعدات واعتدةهو بأمس الحاجة اليها، وان كان الثمن عدم الاقتراب من السلاح الروسي او الايراني ...
الولايات المتحدة قوة عظمى ، وقد تكون لها نظرتها الخاصة الى لبنان بالرغم من كل السياسات والاستراتيجيات الملتبسة. لا مجال امام السلطات اللبنانية، وهي تدرك مدى التصدع الداخلي، ومدى القابلية للانفجار الا الامتثال لشروطها لدرء الأخطار او للحد منها، وان كان في واشنطن من هم أشد حماساً ممن هم في اورشليم لتفكيك لبنان.
الولايات المتحدة اياها التي كيف نصدق انها عاجزة عن ارساء تسوية متوازنة بين الفلسطينيين والاسرائيليين، والتي كرست ، ربما الى الأبد أنظمة القرون الوسطى في منطقتنا العربية ، ليمنع علينا التمثل بنمور شرق و  لنبقى سلاحف غرب آسيا...
وسط ذلك الضجيج الدونكيشوتي، نعلم اي خطر كانت تمثله المخيمات العشوائية في وادي حميّد ومنطقة الملاهي في محيط بلدة عرسال. مرجع عسكري قال لنا منذ نحو شهرين ان هذه المخيمات «تشكل قنبلة في ظهورنا».

«حزب الله» ازال الخاصرة الرخوة ,وحرر جرود عرسال التي السيطرة عليها شديدة الأهمية، على المستوى التكتيكي كما على
المستوى الاستراتيجي ، بالنسبة الى الجيش اللبناني الذي اذ بات ظهره آمناً ، لم يكن باستطاعته ان يقاتل مسلحي «داعش» في جرود رأس بعلبك والقاع والفاكهة بوجود مقاتلي «النصرة»في جرود عرسال.
أكثر من ذلك ، الكل يعلم ما أهمية معبر الزمراني في المعركة ككل  والكل يعلم كيف كان التزامن في تحديد ساعة الصفر، وكيف كان القتال الاوركسترالي. لا تنسيق على الورق، لكن الأرض كانت واحدة منذ اللحظة الأولى وحتى اللحظة الأخيرة...
الثقافة الدونكيشوتية تعود الآن الى الحلبة. صراخ الأحصنة الخشبية.
لم تعد هناك حاجة لجيشين، وما بعد معركة الجرود غير ما قبلها .
استطراداً، لقد دقت ساعة ازالة «حزب الله» من الوجود.
حتماً كنا نتمنى ان تكون هناك الدولة القادرة التي تحمي اللبنانيين من الأخطار الداخلية والخارجية على السواء. وكنا نتمنى ان تكون لدينا دولة تتصدى للاءات المعروفة المصدر وتضع المخيمات الفلسطينية تحت سلطتها ، ولا تترك مخيمات النازحين تنتشر  على ذلك النحو المخيف، ما دام هناك التقاطع المذهبي المبرمج بين لعبة القبائل ولعبة الامم...
هل باسطاعة الجيش، وفي ظل التضاريس الاقليمية ومع الاختلال الدراماتيكي في توازنات القوة ، ان يصدّ الطائرات الاسرائيلية التي كما لو انها تؤدي رقصة الفالس ,يومياً، في اجوائنا؟
بالطبع ، هناك من يقول ان الطائرات تحلق بسبب وجود «حزب الله»، دون ان يعلم ان الطائرات اياها تختال فوقنا منذ الخمسينات من القرن الفائت دون ان يرف جفن لأصحاب الفخامة والدولة والمعالي لأنهم يدركون ما هي العواقب ولأن نظريتهم كانت «قوة لبنان في ضعفه».هي النظرية التي اتتنا بالويلات...
هذا وقت الواقعية لا وقت الدونكيشوتية. ايهما أجدى في التعامل مع بنيامين نتنياهو : القفازات الحريرية ام الصواريخ ؟!