لا يطمح حزب الله في توظيف «فائض القوة»  في الداخل بعد الانتصارات في الجرود، وتفعيل معادلة «الجيش والشعب والمقاومة»، تزامنا مع حسم المعركة العسكرية في سوريا.. لكن هذا لا يلغي قرب دفع الفريق الاخر «فاتورة» رهانته الخاسرة، لا يريد الحزب من هؤلاء رفع  «الراية البيضاء»، ويدرك ان قصتهم لا يمكن ان تنتهي «بباصات خضراء»، جل ما سيعمل عليه في المرحلة المقبلة اقناعهم «بالتواضع» وقراءة المشهد بواقعية، تنتهي بتسوية تتناسب مع الوقائع الجديدة...  
وبحسب اوساط سياسية مقربة من الحزب، فان انتفاء رغبة المقاومة في استثمار الانتصار على المجموعات الارهابية في الداخل ليس بالامر الجديد، هذه الاستراتيجية ثابتة ولم تتغير منذ الانتصار على اسرائيل في 2000 و2006، لكن لا يمكن ان «يدفن» الاخرون» رؤوسهم في الرمال» ويدعون ان لا شيء تغير، فالرهان على اسقاط النظام السوري سقط الى غير رجعة، ومحاولة الاستثمار في المجموعات التكفيرية المسلحة للضغط على حزب الله سقط  مع تحرير جرود الحدود الشرقية، اما استغلال الدعم الدولي لتقليل الخسائر فلم يعد رهانا مجديا بعد الكلام الواضح الذي سمعه الرئيس الحريري شخصيا في واشنطن وباريس، واستنتج منه بشكل واضح ان الدول الغربية سلمت الملف السوري لموسكو...وقد عايش رئيس الحكومة خلال الاسابيع الماضية تجربة عملية خلال المواجهة العسكرية في الجرود، عندما فشلت واشنطن في آخر محاولاتها لتحقيق مكاسب «دعائية» «تشوش» من خلالها على انتصار حزب الله، واتضح ان قيادة حزب الله تسبقها دوما «بخطوة»، حاولت تأخير «التحرير» فلم توفق، وجاء الانتصار السريع في المعركة، ونجاح الحزب في «كتابة» نهاية المشهد ليزيد المشهد قتامة في السفارة الاميركية، ولم يكن ينقص عناصر الاخفاق تلك، الا الخطوة الارتجالية لوزير الدفاع يعقوب الصراف ووزير السياحة، اللذين اخفقا في السير بمهرجان انتصار مجهول «النسب» تبرأ منه الجميع، فيما الثابتة الوحيدة ان قيادة الجيش لم يكن لها علاقة بالامر لا من قريب او بعيد...وهذا اعطى الحزب «ربحا» معنويا بعد نجاحه في احياء مراسم «التحرير الثاني» في بعلبك..
وفي الشق الاقليمي للصراع تبدو السعودية اكثر من عاجزة عن التأثير في الملف اللبناني تضيف الاوساط، وهي تغرق اليوم في مشاكلها الداخلية، وازمتها المفتوحة  مع قطر، وورطتها في اليمن، في ظل التحضيرات تجري بعيدا عن الاضواء لتنحي الملك، وتسليم ولي العهد محمد بن سلمان مقاليد الحكم، مع ما يتطلبه هذا التغيير من مراجعة في السياسة الخارجية...ووفقا لاوساط دبلوماسية سمع الوفد اللبناني في موسكو من وزير الخارجية سيرغي لافروف كلاما حيال قرب حصول تحول في السياسة السعودية تجاه سوريا، وهو امر ناقشه في زيارته قبل ايام الى المملكة مع نظيره السعودي عادل الجبير، الذي اوضح ان بلاده مستعدة للتعاون في الازمة السورية انطلاقا من الرؤية الروسية للحل، وهذا يعني التخلي عن المطالبة برحيل الرئيس بشار الاسد كشرط مسبق للحل..
هذه العوامل مجتمعة تركت اثارا سلبية على الرئيس سعد الحريري وفريقه السياسي المنقسم على نفسه ازاء كيفية التعامل مع المستجدات، وبحسب اوساط نيابية «بيروتية»، فان الحلقة الضيقة التي تضم مدير مكتبه نادر الحريري، ووزير الثقافة غطاس خوري_ وانضم اليهما وزير الداخلية نهاد المشنوق بعد تراجع نفوذه في السعودية بعد عزل الامير محمد بن نايف، ما جعله يلتصق اكثر بالرئيس الحريري _ هذا الفريق من دعاة الاسراع في مكان على «الطاولة» قبل فوات الاوان، ويشجع الحريري على فتح حوار جدي مع حزب الله للتفاهم على مرحلة ما بعد التسوية في سوريا...اما الفريق الاخر الذي يشكل الرئيس فؤاد السنيورة والوزيران معين المرعبي، وجمال الجراح، رأس حربة فيه، لا يرى اي داع للاستعجال ويريد من  الحريري التريث وعدم الاندفاع مرة جديدة الى «احضان» حزب الله لان التراجع في هذه المرحلة سيكون مكلفا للجميع وسيعيد تكريس «غلبة الحزب».. ومن المنتظر ان تعقد جلسة تقييم لزيارة موسكو وواشنطن وباريس بعد عودة رئيس الحكومة الى بيروت، في ظل مخاوف جدية عبر عنها السنيورة امام شخصيات «مستقبلية» من «دعسة ناقصة» يقوم بها الحريري، ستكون نتائجها كارثية هذه المرة..خصوصا ان الحريري يعطي اجابات غامضة على طبيعة خطواته اللاحقة..؟
هذه الخشية تنتاب ايضا رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع الذي بات يشعر مجددا «بالعزلة» السياسية في ظل تصاعد التوتر مع التيار الوطني الحر على وقع الخلافات المتنامية مع الوزير جبران باسيل حيال اكثر من ملف اساسي فرغ «تفاهم معراب» من مضمونه...في المقابل يعمل الحريري على توثيق العلاقة مع رئيس الجمهورية ميشال عون، والتيار الوطني الحر، وهي علاقة ستكون على حساب «معراب» حتما، خاصة اذا ما حصلت التسوية مع حزب الله، وقد سبق ان تخلى الحريري عن حلفائه، وهو مستعد لتكرار السيناريو نفسه اذا ما كان الثمن البقاء على رأس الحكومة بعد الانتخابات النيابية المقبلة...وقد عبر «الحكيم» امام حلقة ضيقة من الشخصيات السياسية والاعلامية عن قلق يساوره من المرحلة المقبلة، خصوصا انه لم يتلق اجابات واضحة على تساؤلات سبق وطلب من الحريري تقديم اجابات عنها...وجاءت الاجوبة «ضبابية» وحمالة «اوجه»...
وانطلاقا من هذه المعطيات، لن تبقى الساحة الداخلية بمنأى عن تداعيات الانتصار في سوريا والجرود، ومن يظن ان لا اثمان سياسية ستدفع من قبل الفريق الذي سقط رهانه على تغيير النظام في سوريا، وبنى استراتيجيته على اضعاف حزب الله، يكون واهما، لان السياق الطبيعي للامور برأي اوساط وزارية بارزة، يفرض على هؤلاء البحث عن صيغة للتعايش مع الواقع الجديد، وهو ما يجسده راهنا «انكفاء»النائب وليد جنبلاط، وبحث الحريري على افضل السبل «للهبوط الآمن»، هذه الواقعية تلبي طموحات حزب الله الذي لا يطمح الى الغاء احد، ويحتاج الى شريك سني «واقعي» في الحكم، بعد نسج علاقة متينة مع الشريك المسيحي، وهذا يساعد في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، ويواكب مرحلة عودة العلاقات اللبنانية -السورية الى وضعها الطبيعي، في سياق تسوية سيلعب فيها حزب الله دور «ضابط الايقاع»...