الصراع بين بغداد وأربيل : ضفاف الماء... ضفاف الدم


...ليكن الفرات شاهداً!
شاهداً على ماذا؟ أرنولد توينبي لاحظ كيف أن ضفاف الماء، أي ضفاف الحياة، تتحول الى ضفاف الدم، أي ضفاف الموت. الكائن البشري هكذا. فيلسوف التاريخ البريطاني رأى أن الله صنع الجغرافيا، وأوكل الى البشر صناعة التاريخ.
ألهذا سأل المفكر المصري الشهير جمال حمدان ما اذا كان «المستر سايكس» و«المسيو بيكو» وضعانا أمام الكوميديا أم أمام التراجيديا في الشرق الأوسط.
حتماً، ليست أنامل نينا ريتشي ولا أظافر بريجيت باردو هي التي صنعت ذلك. حملة التاريخ هم أنفسهم حملة السكاكين. في المنطقة العربية، لم يكتف ورثة السلطنة العثمانية ببلقنة الدول، بل تولوا بلقنة المجتمعات. لهذا، تحديداً، بقينا نرقص حول (نيران) القبيلة.
هنا يمسك القادة الأكراد بطرف الخيط. كل دولكم، أيها العرب، نتاج الأيدي (والأدمغة) الأجنبية. نحن نريد دولة هي نتاج أيدينا. من يتجرأ على أن يقول العكس؟

 ضحايا الغباء


هذا لا يمنع رجل الأعمال الكردي في اوروبا هوشيبار أرداني  من القول «أن الكرد غالباً ما يكونون ضحايا الغباء السياسي والديبلوماسي». في اللحظة القاتلة ظنوا أنهم على قاب قوسين من الدولة، دون أن يدركوا أن لعبة الأمم ما زالت ضائعة بين جنون الايديولوجيات وجنون القبائل.
هكذا يتقاطع رأيه مع رأي وزير الخارجية الفرنسية السابق اوبير فيدرين الذي لاحظ كيف أن تركيا وايران اللتين لم يجمعهما سوى الصراع منذ القرن السادس عشر راعهما أن تقوم دولة هي بمثابة القنبلة في الظهر. بات معلوماً أنه حين التقى رئيسا أركان البلدين التركي خلوصي آكار  والايراني محمد باقري، وكان اللقاء مفاجئاً وصادماً لمسعود برزاني، اتفقا على التنسيق العملاني اذا ما اقتضت التطورات اللجوء الى الخيار العسكري.
المشهد أكثر من أن يكون كوميدياً حين يبدو رجب طيب اردوغان، ولطالما أضرم النار في رأس الزعيم الكردي، وكأنه عرّاب وحدة العراق.
صديقنا السوري نبيل الملحم التقى عبدالله أوج آلان، ووضع كتاباً عنه. قال لنا انه رجل بسيط. هاجسه الوحيد تحرير بني قومه من «الاحتلال التركي»، ودون أي مخزون سياسي، لكن مجلة «دير شبيغل» الألمانية  نشرت تحقيقاً عن الرجل ظهر خلاله أنه يمتلك رؤية يتقاطع فيها البعد الفلسفي مع البعد الاستراتيجي نقلت عنه.
أنه يعتبر أن قيام كردستان الكبرى يبدأ، حتماً، من تركيا وليس من أي بلد آخر. ليس فقط بسبب الكثافة الديموغرافية (نحو 15 مليوناً) واما أيضاً لسببين آخرين. الموقع الجيوستراتيجي للوجود الكردي، وكون تركيا الدولة الأقوى في المحيط حتى اذا ما تصدعت تصدعت سائر دول الجوار.
الباحثون الذين حاولوا قراءة (أو استقراء) تاريخ الكرد لاحظوا مدى احاطة هذا الشعب بالهالة الخرافية. والنتيجة أن المسار الأنتروبولوجي للكرد ظل دائماً في غاية الالتباس.

 الكرد والجن


للمثال، نقل المسعودي في «مروج الذهب» بأن الملك سليمان (الحكيم) لما نزع منه الملك تمثّل الشيطان بهيئة ووقع على بعض امائه فحملن. ولمّا عاد الملك له أمر قائلاً»اكردوهم الى الجبال».
وكتب الراغب الأصفهاني في «المحاضرات» ان سليمان «غزا بلاد الهند وسبى منهم 80 جارية، وأسكنهن جزيرة في البحر، فخرجت الجن من الماء وأوقعت (أي ضاجعت) الجواري فحملن منهم 40 جارية. ولما علم سليمان بذلك قال اكردوهم الى الجبال».
السيوطي نقل عن ابن عباس أن الله «جعل من الغيرة في عشرة أجزاء، تسعة منهم في الأكراد وواحدة في سائر الناس».
كلمة «كرد» بالفارسية تعني الذئب أو البطل، وبالسريانية ساكن الجبال، وبالعربية المطرود.
ويذكر المؤرخون أن كسرى أنوشروان «اتخذ لنفسه جيشاً منهم ابان معركة القادسية فانقلبوا عليه، وانضموا الى جيش المسلمين ما سهّل فتح بلاد فارس».
ومن الأكراد الذين اشتهروا في التاريخ أحد أصحاب النبي العربي حابان الذي عرف بأبي ميمون الكردي. واضافة الى صلاح الدين الأيوبي، المغني الشهير زرياب، وعالم النبات الدينوري، والمؤرخ ابن خلكان، والجغرافي أبو الفداء، والرياضي الفلكي ابن الخياط.
في السبعينات من القرن المنصرم التقيت استاذاً في جامعة المستنصرية في بغداد. راح يشرح لي أن للكرد تراثهم الميتولوجي. آلهة وطقوس ومعابد وكهنة، غير أن موقعهم الجغرافي، وتعرضهم للغزو من قبل ممالك شتى، أدى الى تشتيت أو اندثار ذلك التراث.

 النفط لا القومية


واذ لا مجال للكتابة عن العراق بمنأى عن البعد التاريخي، أو البعد الميتولوجي، ومن جلجامش الى بدر شاكر السياب، مروراً بضياء العزاوي، لاحظ البريطاني ديزموند ستيوارت أن ونستون تشرشل لم يكن ميشال عفلق أو زكي الأرسوزي. النفط لا القومية العربية من وحّد العراق.
الآن من يهدد وحدة العراق؟ وهل كان مسعود برزاني فكّر في انشاء دولة كردية لولا حقول النفط قي كركوك؟
بعض القوميين المتشددين وصلوا الى حد القول «اذا قامت كردستان، لن تكون بغداد سوى ضاحية لأربيل».هنا لا بد من التوضيح أن العاصمة العراقية عاشت الأهوال منذ الغزو الأميركي عام 2003 وحتى الآن. تزامناً، كانت اربيل تستضيف الاستثمارات والمستثمرين من كل حدب وصوب. هل حقاً أن آل روتشيلد اخترقوا الكثير من الدوائر الحساسة في الشمال العراقي؟
هنا تجد من يتحدث عن «حيوية» الكرد، وقابليتهم للتماسك، وعن «خمول» العرب وقابليتهم للتفكك.
لكن بغداد تبقى بغداد. في مقدمة ابن خلدون «ما دخلت بلداً قط الا عددته سفراً الا (بغداد) فاني حين دخلتها عددتها وطناً»، وقال لتلميذه يونس «أدخلت بغداد؟» قال «لا».
 فأجابه «لم تر الدنيا ولا الناس»، وان تضاربت التفسيرات حول معنى اسمها. المؤرخون التقوا على أن المعنى الفارسي للأسم هو «هبة الله» لا «هبة الشيطان».
المدينة بناها الخليفة المنصور قي القرن الثامن الميلادي. أطلق عليها اسم «مدينة السلام» غير أنها أخذت اسم بغداد من اسم قرية قريبة منها لتغدو عاصمة الدولة العباسية.
بغداد بلغت ذروة التألق في عهد الخليفة هارون الرشيد لترتبط باسمه في سيرة ألف ليلة وليلة، ولتشتهر بـ«بيت الحكمة» الذي استقطب كبار العلماء من المحيط، وصولاً الى آسيا الوسطى والقوقاز.
في عهده أيضاً، ترجم أشهر كتاب علمي في التاريخ هو كتاب «الأصول في الهندسة والعدد» لاقليدس.

 عاصمة الآخرة؟


انها بابل الجديدة، لكن الغزو المغولي بقيادة هولاكو عام 1258أزال عنها بهاءها ليتبادل العثمانيون والصفويون حكمها منذ مطلع القرن السادس عشر الى أن استقرت بين يدي بني عثمان في عام 1535.
الكرد يفاخرون أيضاً بعراقة عاصمتهم التي تعود تسميتها الى الزمن الأشوري. كانت تدعى «أربائلو»، أي الآلهة الأربعة لاحتوائها على أربعة معابد، وكانت مركزاً للالهة عشتار. الأشوريون قدسوها، وملوكهم يحجون اليها قبل القيام بأي حملة عسكرية.
السومريون هم من أسسوا اربيل عام 2300 قبل الميلاد. وفي القرن الثالث الميلادي، اصبحت أهم مراكز المسيحية النسطورية. وحين فتحها المسلمون في عهد الخليفة عمر بن الخطاب كانت تقطنها غالبية تركمانية وسريانية قبل أن تبدأ الهجرة الكردية اليها من الجبال. مع الاشارة الى أن أجداد صلاح الدين ينتمون الى قرية دربن شمال أربيل.
أوج آلان، وهو في سجنه في احدى جزر مرمرة، لا بد أنه يستغرب «عشوائية» مسعود برزاني. جهات كردية تقول انه يزدريه، ولطالما وصفه بالدمية بين يدي الرئيس التركي. لعله الجهل المطبق بخفايا، وخبايا، لعبة الأمم.
لا دولة كردية من دون كركوك. أنقرة التي وقفت طويلاً مع برزاني لتحقيق حلمه بالحاق المدينة بكردستان، أبلغت بغداد بأنها جاهزة للمؤازرة العسكرية منعاً لحصول ذلك.
الايرانيون شعروا بالخطر. كيف لأربيل أن تزدهر من دون كركوك ؟ الأكثر واقعية كيف لها أن تبقى (كعاصمة لدولة)؟

 الخيال الكردي


حتى جلال طالباني، وقبل دخوله في الغيبوبة، كان يجاهر بأن الواقع الجغرافي لكردستان يحول دون مجرد التفكير باقامة دولة مستقلة دون التبعية لتركيا (ولم يكن يعارض دائما). على ماذا، اذاً، كان يراهن نجل الملاّ مصطفى البرزاني؟
بغداد التي استشعرت، للوهلة الأولى، التداعيات الدراميكية لحصول الانفصال، ومنها انهيار الخريطة وقيام دول اتنية وطائفية طبقاً للعبة الدومينو، تبدو الآن واثقة من أن أصحاب الاستفتاء يعتزمون وضعه في الثلاجة. لا بد من سيناريو يحفظ ماء وجوه الجميع.هذا ما يحدث الآن.
بغداد ليست في عهد هارون الرشيد لتكون عاصمة الدنيا. ما يعني أهل السلطة أن تكون «عاصمة العراق».
عشتار، الهة الحب والجنس والجمال لدى البابليين هبطت الى عالم الموتى، وقد أضناها الحزن على تموز. معبدها المقدس كان في أربيل و وكانت حزينة. الآن ليست حزينة فقط بل تائهة. لعبة الأمم أكثر تعقيداً بكثير من أن يدرك أبعادها الخيال الكردي. الخيال العربي أيضاً...
صفحة كردستان الصغرى والكبرى طويت. معها نجمة داود التي رفرفت في أرجاء المدينة. المنطقة الآن داخل الزلزال. أي دول يتقيأ هذا الزلزال ؟!