في الوقت الذي كان اللبنانيّون يخشون من حرب داخليّة، وأهليّة وفتن طائفيّة، مذهبيّة، حزبيّة وسياسيّة، ويعيشون هاجس الارهاب والتهديدات الامنيّة، بات القلق اليوم من "فتن شعبيّة - مطلبيّة - عمّالية" بين موظّفي القطاع العام والقطاع الخاص، وكذلك بين هذا الاخير مُمثّلاً بموظّفيه وأصحاب الشركات الخاصّة والمؤسّسات، حيث أنّه ومنذ اللّحظة الاولى على إقرار السلّة الضريبيّة الجديدة، ورفع الاجور في القطاع العام، والقلق بدأ ينتاب المواطن من امكان حصول تلاعب في الاسعار لناحية السلع المشمولة بالـ"TVA" وتلك التي لا تطالها الضريبة او غيرها من الرسوم، ما دفع ايضاً بموظّفي القطاع الخاص بالمطالبة بتصحيح الاجور ورفع الحدّ الادنى، خصوصاً أنّهم سيدفعون الزيادات والضرائب من دون ان يطال اجرهم أيّ تعديل.

هذا الاحتقان الجديد والتوتّر، بدأت ملامحه تظهر يوماً بعد يوم، ليرتفع معه منسوب التراشق الالكتروني والحملات التي تنظّم بوجه موظّفي القطاع العام، من قبل موظّفي القطاع الخاص، الذي وصل الى حدّ المقارنة على صعيد مضمون ونطاق وساعات العمل والانتاجية، والفرق في اعداد موظفي القطاعين، وما الى هناك من الهجوم الكلامي.. علماً بأن الطرفين هما ضحيّة اهمال الدولة لحقوقهم، والهدر المالي، والفساد المستشري، والصفقات، ويستحقّان سويّاً ان ترفع اجورهما نظراً لدورهما الكبير في تطوير البلد وتحسين اقتصاده، الامر الذي سيأخذنا حتماً الى فصل جديد وأزمة جديدة، ونزاع "طبقيّ" سيؤدّي حتماً الى مزيد من التدهور "الصحيّ" في الجسم اللبنانيّ بأكمله.

وفي هذا الاطار، لفت الخبير الإقتصادي الدكتور غازي وزني ، الى أنّ "آخر تصريح للرواتب في القطاع الخاص كان عام 2012، ورفعوا وقتها الحدّ الادنى للأجور الى 675000 ليرة لبنانيّة، ومنذ ذلك الحين حتّى يومنا هذا، حصل الكثير على الصعيد الاقتصادي منها التضخّم وارتفاع الاسعار، وغيرها من التراكمات والازمات التي أدّت الى دعوة موظّفي القطاع الخاص في المرحلة الحاليّة الى تصحيح أجورهم ورفع الحدّ الادنى، خصوصاً في ظلّ غياب التصريح عن الاجر والذي يجب ان يكون سنويّاً".

ورأى وزني، أنّ "موظّفي القطاع الخاصّ، محقّون في مطالبهم، ولكن عليهم في الوقت نفسه، أن يأخذوا بعين الاعتبار الوضع الاقتصادي السّيء، ومعدّلات النموّ الضعيفة، الى جانب الضائقة الماليّة التي تمرّ بها المؤسّسات والشّركات التي قد تعمد الى الاقفال او طرد عدد من موظّفيها، وهذا بحدّ ذاته، هو بمثابة تحدّي بالنسبة الى موظّف القطاع الخاص. أما التحدّي الثاني، فيرتبط بالتوظيف التصاعدي للعمّال السوريّين أصحاب الكفاءات مع فارق الراتب الذي يقلّ حتماً عن ذاك الذي يتقاضاه اللبنانيّ".

وفقاً لذلك، شدّد وزني على أنّ "الحلّ الانسب لهذه الأزمة بالنسبة الى القطاع الخاص، يتمثّل في ضرورة حصول "تفاوض قطاعيّ" على مسألة تصحيح الأجور، فالقطاعات التي تملك القدرة على التفاوض عليها ان تسلك هذا الاتجاه، كالقطاع المصرفي على سبيل المثال، يملك إمكانات لزيادة أجور موظّفيه، ما يحتّم عليه ان يفاوض في هذا المجال، والامر نفسه ينطبق على القطاع الصناعي مع اعلان رئيس غرفة الصناعة والتجارة في بيروت الاستاذ محمد شقير عن قدرة الغرفة على تحمّل أعباء زيادة الأجور، وهذا ما ينطبق على القطاع السياحيّ في حال كان يملك بدوره القدرة على التفاوض وزيادة الاجور. أما القطاعات التي تعاني من أوضاع اقتصاديّة وماليّة صعبة، فيجب ان تكون "قدرة التحمّل" فيها مُتبادلة بين الشركة والموظّفين، والاجراء، وأن يتحلّوا بالصبر، منعاً لحصول حالات طرد أو اقفال، بانتظار الايّام المُقبلة، التي بحسب الاجواء الرّاهنة ستكون حتماً أفضل من المراحل السّابقة، على الصعيد الاقتصادي".

وزني طمأن الى أنّ "رواتب موظّفي القطاع الخاص لن تتراجع أو تنخفض، لاسباب كثيرة منها مرتبط بالحدّ الادنى للأجور، بالاضافة الى المنافسة غير المشروعة من قبل النّازحين الذين تمدّدوا في هذا المجال، ليصلوا الى القطاعات كلّها، حيث انّه في السّابق كانت أعمالهم تقتصر على قطاعي البناء والزراعي، أما اليوم، فقد باتوا يعملون في المجالات كافة، براتب أقلّ، وبحدّ أدنى وقدره 415 الف ليرة أيّ أقلّ بكثير من ذاك المُحدّد للموظّف اللبنانيّ، ومن دون ان يدفعوا اشتراكات الضمان وغيرها من الفواتير والرسوم، من هنا يكون موظّف القطاع الخاصّ أمام التحدّيَين السّابق ذكرهما"، مؤكّداً:"أنّ هذا التهديد الاقتصادي ليس بمكانه، لكن على مطالب القطاع الخاصّ ان تتلاءم مع وضعيّة المؤسّسات وإمكاناتها وقدراتها".

وعن دور المجلس الاقتصادي الاجتماعي الذي عيّن أعضائه مجلس الوزراء يوم أمس، أشار وزني، الى أنّ "هذا المجلس إنتهت ولايته عام 2002، وظلّ غائباً، علماً بأنّه لعب دوراً فعّالاً وقت إنشائه، الا أنّه لم يحصل على ايّ دعم من السّلطات السياسيّة، الامر الذي يجب ان نعالجه اليوم، حيث على السّلطة السياسيّة الحاليّة، والحكومة، أن تضع خطّة تنفيذيّة، ليُساعد هذا المجلس في رسم الخريطة الاقتصاديّة الاجتماعيّة، التي سيسير عليها لبنان في السّنوات القادمة، واعطائه بهذه الطريقة مجالاً ودوراً تحديثيّاً وتطويريّاً، خصوصاً في مسألة تصحيح الأجور".

المصدر: ليبانون ديبايت