عندما اعلن الرئيس سعد الحريري استقالته من الرياض بعد استدعائه اليها فورا تحت حجة ان لديه موعداً مع الملك سلمان ملك السعودية وخادم الحرمين الشريفين، وعندما أراد مرافقوه السفر معه قال لهم لا لزوم للمجيء معي، لان السلطات السعودية طلبت مني ان اسافر الى السعودية لوحدي دون مرافقين ووزراء ودون رجال اعلام وصحافيين، واقلع بطائرته الخاصة الى السعودية وهناك ما ان وصل الى السعودية حتى تم إعطاء امر بمنع طائرته الخاصة من الإقلاع من السعودية، كما حصل مع بقية الامراء ورجال الاعمال الذين تم استدعاؤهم الى السعودية تحت عنوان مقابلة الملك السعودي سلمان، لكن الملك سلمان لم يقابل احداً منهم، كما ان ولي العهد محمد بن سلمان لم يقابل احداً منهم بل تم استدعاؤهم الى فندق الريتز الذي حجزته السلطات السعودية بكامله واخرجت المقيمين فيه لوضع الامراء المعتقلين ورجال الاعمال ومن بينهم الرئيس سعد الحريري في ذلك الفندق محاطا بحراسة شديدة وفي داخله اكثر من 100 شرطي.
لم يقابل الرئيس سعد الحريري الملك سلمان، بل تولى أعضاء في الديوان الملكي كتابة خطابه في شأن ايران وحزب الله وإعلان استقالته، وتم استدعاء محطة العربية لتسجيل الخطاب ثم بثه عبر القنوات التلفزيونية الأخرى.
وفي هذا الوقت، سمحت السلطات السعودية للرئيس سعد الحريري الاتصال برئيس الجمهورية وابلاغه انه استقال، فيما كان خطابه يتم بثه على التلفزيون.
وكان الرئيس العماد ميشال عون هادئا للغاية، ولم يسأل عن أسباب الاستقالة، ولم يسأل عن وضعه في السعودية، بل اهتم بأمر واحد، قائلا له هل انت بصحة جيدة، وماذا تطلب مني ان اساعدك، كي تكون في وضع لا في السجن ولا في الإقامة الجبرية ولا غيرها، واغلق الرئيس ميشال عون الهاتف مع الرئيس سعد الحريري، وذهب الى غرفة العمليات في قيادة الجيش اللبناني. وكان الى جانبه قائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون ورئيس الأركان ونواب رئيس الأركان وقادة سلاح الجو وسلاح البحرية وقادة الالوية والافواج. فأعطى تعليماته لحفظ الامن بشدة على الساحة اللبنانية، دون هوادة ولا مسايرة، وكقائد سابق للجيش وكقائد جبهات عسكرية قادها طوال 42 سنة في خدمته العسكرية اعطى كل التفاصيل للتحرك العسكري للحفاظ على الاستقرار والامن في لبنان.
وفي اليوم الثاني اتصل الرئيس ميشال عون، وهو بهدوء كامل، واعصابه مرتاحة، بزعماء الطوائف والأحزاب السياسية اللبنانية طالبا منهم المساعدة على عدم التصعيد واخذ الأمور بهدوء وانتظار عودة الرئيس سعد الحريري، اذا عاد الى لبنان، وان رئيس الجمهورية لن يقوم بأي خطوة قبل الاجتماع بالرئيس الحريري، في شأن استقالته.
وقد أعطت اتصالات رئيس الجمهورية العماد ميشال عون فعلها لدى القادة السياسيين اللبنانيين ولم يحصل أي تصعيد، حتى ان خطاب سماحة السيد حسن نصر الله كان هادئا جدا، ووضع الامر عند القرار السعودي ولم يهاجم الرئيس سعد الحريري بأي كلمة، بل دعا الى عدم الخوف والحفاظ على الاستقرار الأمني والاقتصادي.
وبكل هدوء دعا رئيس الجمهورية المسؤولين عن الوضع المالي في لبنان، وخاصة حاكم مصرف لبنان، الذي اتصل به هاتفيا ثم اجتمع به وسمع من حاكم مصرف لبنان ان وضع الليرة اللبنانية في وضع ممتاز وانها لن تهتز ابدا، وان لدى مصرف لبنان القوة الكاملة بفعل الهندسات المالية التي قام بها حاكم مصرف لبنان، بأن يحافظ على الليرة اللبنانية بسعرها، ولا يسمح لأحد بالتلاعب في هذا الامر. وان لدى مصرف لبنان 50 مليار دولار احتياط وان الودائع في لبنان هي 160 مليار دولار، وانه في شهر تشرين الأول دخل الى المصارف ودائع بقيمة 8 مليارات دولار من اللبنانيين المقيمين خارج لبنان إضافة الى اللبنانيين المقيمين وان الودائع ارتفعت بقيمة 8 مليارات دولار. ثم أضاف حاكم مصرف لبنان ان ميزان المدفوعات في لبنان متوازن، وان القطاع المصرفي قوي جدا، وان زيارة حاكم مصرف لبنان لواشنطن أدت الى إعطاء ضمانات أميركية بعدم فرض أية عقوبات على القطاع المصرفي والمحافظة عليه. وان واشنطن تريد الاستمرار في الحفاظ على الاستمرار النقدي والمالي والمصرفي في لبنان وعدم حصول فوضى كي لا يحصل ضعف في الاقتصاد اللبناني اكثر مما هو فيه.
وأضاف حاكم مصرف لبنان قائلا لرئيس الجمهورية انه تابع اتصالاته في أوروبا والمصارف الأوروبية تلقت تعليمات من وزارة الخزانة الاميركية بالحفاظ على المصارف اللبنانية والوضع النقدي والمالي في لبنان كما ان احترام حاكم مصرف لبنان لدى المصارف المركزية الأوروبية أدى الى نتيجة عظيمة بتعاون المصارف الأوروبية مع المصارف اللبنانية.
اعتقد البعض ان الرئيس العماد ميشال عون سيكون متوترا، بل كان مرتاحا جدا وبأعصاب هادئة، وادار الأمور بحكمة وعقل واعتبر ان لبنان مر عليه أزمات كبرى، وان استقالة الرئيس سعد الحريري أمر شكلي، وان اية دولة خارجية لن تستطيع ان تهز الامن في لبنان، ولا الاستقرار ولا الوضع النقدي والمالي ولا الاقتصادي.
ثم تابع عمله في مكتبه الرئاسي في القصر الجمهوري في بعبدا، واكمل مواعيد زياراته وكان هادئا جدا، وكان الجميع الذين زاروا فخامة الرئيس متوترين وخائفين من الوضع، وعندما التقوا برئيس الجمهورية العماد ميشال عون خجلوا من انفسهم عندما رأوا رئيس الجمهورية بهذه الاعصاب القوية والبرودة والهدوء، وان لبنان بألف خير ولن يستطيع احد النيل منه، وانه كرئيس جمهورية سيأخذ القرارات المناسبة لحفظ الامن والاستقرار والوضع المالي والاقتصادي. وانه مؤتمن على الدستور وان اية خطوة ضرورية سيقوم رئيس الجمهورية باتخاذها للحفاظ على لبنان بهدوء أعصاب مهما كان القرار صعبا ومهما كان خطيرا. الا ان الرئيس العماد ميشال عون كان مصمماً على منع أي فتنة، او أي حادث على الأراضي اللبنانية، او اية ردة فعل، وقد ظهر ذلك بوضوح، اذ لم يحصل أي ردة فعل او حادثة، رغم ان اعلان الرئيس سعد الحريري استقالته من السعودية، وتصريحات الوزير السعودي السبهان العميل الإسرائيلي كان هدفها تهديد الوضع اللبناني، لكن رئيس الجمهورية اسقط كل هذا المخطط.
ثم اتصل الرئيس العماد ميشال عون بالرئيس المصري السيسي وابلغه ان مصر دولة عربية كبرى وان علاقة لبنان ومصر قوية ويتمنى عليه المساعدة في معرفة وضع الرئيس سعد الحريري في السعودية، وفي السياسة السعودية تجاه لبنان، ولماذا تخلق الازمات في لبنان وتهدده، وتمنى عليه ان يساعد على تهدئة الأمور وابلغه ان لبنان بألف خير ولا تهزه ازمة من هذا النوع.
ثم اتصل الرئيس العماد ميشال عون بالملك الأردني وابلغه الامر ذاته، متمنيا عليه ما تمناه على الرئيس المصري السيسي، وقد وعد ملك الأردن بوضع كل ثقله في الموضوع، والاتصال بالملك سلمان وبولي العهد محمد بن سلمان، وبالقيادة السعودية وانه اذا اضطر الامر سيذهب الملك الأردني الى السعودية لمعالجة الأوضاع.
وتجاوب الملك الأردني مع رئيس الجمهورية الهادىء الاعصاب، تجاوبا كبيراً.
ثم بعد الظهر استدعى رئيس الجمهورية سفيرة اميركا وسفير فرنسا، وابلغهما انه من دون أي مبرر وسبب قامت السعودية بإقالة الرئيس سعد الحريري من الحكومة، وان هنالك وزيراً سعودياً يهدد لبنان، وانه لا يفهم لماذا تقوم السعودية بتهديد استقرار لبنان، متمنيا على باريس وواشنطن التدخل لان لبنان حتى الان يتصرف بهدوء من خلال موقف رئيس الجمهورية. لكن اذا تصاعد الموقف السعودي ضد لبنان، فان لبنان له القدرة على التصدّي للسعودية بوسائل لم يكشف عنها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، لكن اوساطا ذكرت ان لبنان قد يقدم شكوى الى الجامعة العربية والى مجلس الامن الدولي ضد السعودية متهما إياها بزعزعة الاستقرار في لبنان وتهديد امنه واستقلاله، وان مجلس الامن قد يتخذ قراراً بالاجماع يدعو فيه السعودية الى عدم التدخل بهذا الشكل السافر في لبنان، وان واشنطن وعدت لبنان بعدم استعمال الفيتو ضد السعودية، وانها الى جانب لبنان، وان واشنطن حريصة جدا على مؤسستين هامتين تدعمهما، وهما الجيش اللبناني وتدعمه بالأسلحة وبكل الطاقات والمال، وهي تثق به كجيش لبناني وطني قادر على الحفاظ على السيادة اللبنانية وحفظ الامن. كذلك هي حريصة جدا على مصرف لبنان وعلى موقع حاكم مصرف لبنان الأستاذ رياض سلامة، وأيضا على القطاع المصرفي في لبنان الذي يؤمن الوضع الاقتصادي ومنع الانهيار الاقتصادي ويقدم التمويل للشركات والمؤسسات مما يجعل الدورة الاقتصادية مستمرة في لبنان.
ابرز ما في قصر بعبدا هو هدوء الرئيس العماد ميشال عون، الذي تمشى في حديقة القصر وكان ضاحكاً وكان يقطف بعض الازهار وكل من يراجعه في شأن الرئيس سعد الحريري، كان يقول «بسيطة، مررنا بحروب دامت 40 سنة وبقيَ لبنان وبقينا، وبقيَ الجيش اللبناني، وبقيَ الشعب اللبناني وبقيت المؤسسات وعاد لبنان موحداً، واستقالة الحريري ليست اهم من الحرب التي دامت 40 سنة، وليست اخطر من الحرب مع الفلسطينيين، وليست اخطر من انقسام لبنان مسلم - مسيحي، وليست اخطر من الفراغات الرئاسية على مستوى رئيس الجمهورية والفراغات الحكومية في غياب وجود حكومة، وليست اخطر من استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وليست اخطر من العدوان الإسرائيلي سنة 2006، وانا أؤكد لكم ان كل خطوة تسبب الأذى الى لبنان سيتم ردعها بالوسائل الديبلوماسية الدولية. كذلك فان أوروبا وأميركا تقف الى جانبنا، وفق ما تبلغناه من الاتحاد الأوروبي ومن الإدارة الأميركية، التي قالت انها حريصة على الاستقرار الكامل في لبنان، خاصة وان الإدارة الأميركية وجّهت التهنئة الكبرى للجيش اللبناني بضرب داعش وجبهة النصرة الإرهابيتين، واستطاع فرض سيطرته على الحدود مع سوريا.
وأضاف العماد ميشال عون، اما في الداخل اللبناني فاذا حصل أي امر يعكّر الامن، سألبس البدلة العسكرية وسألبس الخوذة العسكرية وأدير العمليات العسكرية من قلب وزارة الدفاع مع كبار ضباط الجيش ولن نسمح لأحد بالتحرك مترا واحدا دون اذن قيادة الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية اللبنانية.
سعد الحريري في ازمة والأحزاب في ازمة كبرى، ولبنان يعيش اضمحلالاً وتنفيساً وتصغيراً لخطوة الرئيس سعد الحريري باستقالته من السعودية، وباتت اخبار الاستقالة بالكاد تذكرها وسائل الاعلام.
ويقال ان الرئيس سعد الحريري، بعد تدخل اميركا وفرنسا ومصر والأردن بطلب من العماد ميشال عون، قد يعود يوماً واحداً الى لبنان لتقديم استقالته، ومن ثم يذهب الى فرنسا ليسكن فيها، مع العلم انه يجب ويجدر الإشارة الى البيان الملكي الذي صدر على اثر استقبال الملك سلمان للرئيس سعد الحريري. ذلك ان البيان الملكي الصادر عن الملك سلمان قال ان ملك السعودية استقبل الرئيس السابق لحكومة لبنان، ولم يقل رئيس الحكومة اللبنانية المستقيل، بل استعمل عبارة الرئيس السابق للحكومة اللبنانية. وهذا فيه دلالة كبرى في كلام السعودية عن استقالة الحريري.
لا بدّ من إلاشارة الى ان ايران بشخص رئيس جمهوريتها الرئيس روحاني اتصل بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتمنى عليه الافراج عن الرئيس سعد الحريري من السعودية، وتركه طليقاً وحراً، واتصل الرئيس بوتين بالملك سلمان ملك السعودية، وابلغه ان روسيا لا تتمنى فقط، بل تبلّغ السعودية ضرورة الافراج فورا عن الرئيس سعد الحريري، وان العلاقة بين روسيا والسعودية قد تهتز، ما لم تستجب السعودية للطلب الروسي، وفق ما تبلغته ايران من روسيا.
وذكرت وكالة روسيا اليوم، معطيات عن هذا الخبر، كما ذكرت وكالة سبوتنيك الروسية معلومات إضافية، وهذا ما دفع بالملك سلمان السعودي الى استقبال الرئيس سعد الحريري، ولكن حتى الان، ما زال مصير الرئيس سعد الحريري مجهولا، والاتصال مقطوع به، الا بواسطة «الواتساب»، والأيام المقبلة قد تظهر ان الرئيس سعد الحريري قد يتم السماح له ليأتي يوما واحدا الى بيروت لتقديم استقالته او تسليمها الى السفير اللبناني في السعودية لتكون رسمية، حيث يرسلها السفير اللبناني في السعودية الى رئيس الجمهورية خطياً. والرئيس سعد الحريري سيكون إما محجوزا في السعودية او يسكن في فرنسا.
وعند الساعة العاشرة والنصف، جاء موفد سعودي من الديوان الملكي حيث ابلغ الرئيس سعد الحريري ان بامكانه مغادرة السعودية على ان يعود اليها لاحقاً نتيجة الضغط المصري -  الأردني - الأوروبي خاصة، والأميركي خصوصا، والأكثر تهديداً الرئيس الروسي بوتين للسعودية باتخاذ موقف صارم منها اذا استمرت بتعريض لبنان لازمة حكومية وهز الاستقرار الأمني والاقتصادي والشعبي فيه.