الدكتور وسام صعب - بحنكة سياسية عالية استطاع رئيس البلاد العماد ميشال عون أن يستدرك موضوع إستقالة الرئيس الحريري ويستوعب الحدث من منطلق التروي وأخذ الوقت لدراسة ظروفها، خلفياتها، أسبابها ونتائجها لاسيما وأنها لم تكن مستوفية للشروط الشكلية والدستورية من حيث مكانها وزمانها وتوقيتها، ليقودنا هذا الواقع إلى مقاربة الأمر بشكل موضوعي بعيداً عن الإنفعالات والحساسيات ليطرح سؤالاً مشروعاً في هذا الظرف المحيط بظروف الإستقالة وتوقيتها ... أنحن اليوم أمام إستقالة لها مفاعيلها وآثارها القانونية والدستورية والسياسية، أم بتنا أمام إعتكاف لرئيس حكومة أخذ شكل الإستقالة ... .

من المعروف أن للإستقالة أصول وقواعد شكلية يجب أن تُحترم من منطلق سيادة الدولة أولاً، وموقع رئاسة الجمهورية ثانياً، وهي الأصول الواجب إتباعها بالشكل والمضمون والتي يفترض على رئيس الحكومة الإلتزام بها وعدم تجاوزها تحت أي طائل أو ذريعة ... .

فالذي استقال ليس موظف فئة أولى في الدولة اللبنانية إختار هذا الأمر سبيلاً، إنما هو رئيساً لحكومة دولة ذات سيادة معترف بها دولياً، فكان يجب بالحد الأدنى إحترام هذا المبدأ والإلتزام بالأطر والقواعد والأعراف الدستورية التي ترعى مثل هكذا عمل أتى عليه الرئيس الحريري من حيث زمانه ومكانه وظروفه وأسبابه ليُصار إلى التعاطي معها بالأصول الدستورية نفسها وذلك بغض النظر عن مدى مسؤولياته الكبيرة في هذه المرحلة الدقيقة بالذات والذي كان من المفترض به أن يأخذها بعين الإعتبار ... .

فلبنان ومنذ نشأته ومروراً بتاريخه السياسي الحديث لم يشهد مثل هذه الإستقالة التي أُعلن عنها من الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية بدلاً من أن يُعلن عنها من بعبدا مقر رئاسة الجمهورية اللبنانية ... فالذي استقال هو رئيساً لحكومة لبنان، الدولة ذات السيادة ... .

هذا فضلاً عن عدم مراعاتها للأصول الشكلية والتي يفترض من حيث المبدأ والأعراف الدستورية تقديمها كتابة إلى رئيس البلاد مع شرح أسبابها سواء المعلومة أو غير المعلومة ليُصار بعدها إلى إتخاذ الخطوات الدستورية الآيلة إلى قبول إستقالة الحكومة التي يرأسها سعد الحريري وتشكيل حكومة عتيدة بعد ذلك بمراسيم تصدر عن رئاسة الجمهورية.

وهذا ما يطرح معه أكثر من سؤال كما ويثير أكثر من علامة إستفهام حول ما جرى وبالطريقة التي ديرت بها الأمور، وهذا ما يقودنا ويفتح الباب أمامنا للتأكيد مجدداً على أننا لسنا بوارد إستقالة فعلية بالمعنى القانوني والدستوري الصرف، وإن كانت نافذة سياسياً، بل بتنا وفقاً لواقع الحال أمام اعتكاف لرئيس الحكومة لأسباب غير معلومة لتاريخه ولكن بستار إستقالة شفهية متلفزة أتت من مكان خاطئ ومن حيث لا يُفترض بها أن تأتي... .

ولكن من جهة ثانية وبعيداً عن التحليل في الأصول والشكليات، دعونا نقول أننا بتنا واقعياً وفعلياً أمام واقع لا مفر منه ومن نتائجه، فالرئيس الحريري قد استقال وذلك بغض النظر عن مكان هذه الإستقالة أو زمانها أو ظروفها أو حيثياتها أو حتى توقيتها وإلى ما هنالك من عبارات ... وهذا ما يحتّم ومن هذا المنطلق على رأس الدولة فخامة الرئيس أن يتحرك بإتجاه تأمين البديل الدستوري دون استنفاد الوقت، ذلك أن الوقت ليس بمصلحة أحد.

وقد يبدو أن حكومة سياسية قد تكون صعبة المنال أو التحقق في ظل الظروف الراهنة وبالسرعة الممكنة لأسباب وأسباب كثيرة قد يكون أهمها عدم رغبة أي من الشخصيات السنية المعروفة أو المطروحة لتولي تشكيل الحكومة أن تتحمل وزر هذه الإستقالة بنتائجها وتداعياتها والظروف المحيطة بها، هذا فضلاً عما يمكن أن يعترض هكذا حكومة من صعوبات وعراقيل عند تأليفها وتشكيلها، وفضلاً أيضاً عن كون ما يمثله الرئيس الحريري من عامل إطمئنان على مستوى كل لبنان، وبالشارع السني تحديداً ... .

فالبديل عن الرئيس الحريري في هذه الفترة بالذات وفي هذه الظروف قد لا يكون متحققاً لملئ هذا الفراغ السياسي والحكومي الطارئ ... ولهذا قد يكون المطلوب على هذا الصعيد حكومة تكنوقراط بالمعنى الضيق وليس حكومة سياسية فضفاضة، حكومة تقطيع وقت تأخذ البلاد بحالتها الحاضرة مالياً وإقتصادياً وسياسياً إلى إنتخابات نيابية ينتج عنها مجلس نيابي جديد في ظل القانون النسبي، حكومة ليس المطلوب منها تحقيق المعجزات، إنما حكومة لفترة إنتقالية تفصلنا عن مجلس نيابي جديد يكون أساساً ومرتكزاً لحكومة سياسية فضفاضة تجتمع فيها كل الكتل السياسية الممثلة في البرلمان تحت عباءة فخامة رئيس الجمهورية ورئيس للحكومة من المرجح أن يكون حينها إسم الرئيس سعد الحريري من الأسماء الأكثر حظوظاً لتولي هذه المسؤولية، وعندها يكون للعهد أن ينطلق بالزخم والفعالية في مسيرة بناء الدولة والوطن ولاستكمال ما تبقّى من إنجازات.

فهذا السيناريو إن تحقق سيجنّب البلاد أزمات سياسية، إقتصادية ومالية، في ظل حكومة تكنوقراط مصغّرة، لا تثير أي خلافات سياسية بين الأقطاب السياسيين، كما وتساهم بشكل أو بآخر في خلق عامل ثقة واطمئنان واستقرار، بما يحفظ البلاد ويجنّبها أي خضّات أمنية أو سياسية أو إقتصادية لفترة إنتقالية تنتهي حكماً بإنتخاب مجلس نيابي جديد.

وبكل الأحوال تبقى خيارات فخامة الرئيس مفتوحة على كل الإحتمالات بما يضمن حفظ الدولة وتأمين سلامتها واستمرارية مرافقها العامة ومؤسساتها الدستورية ... .