لطالما التصقت أساطير غسل الدماغ بالإستخبارات الأميركية، منذ اندلاع الحرب الباردة مع المعسكر الشيوعي حتى يومنا هذا. حتى المخيلة الهوليودية تطرقت لبعض هذه السيناريوهات من باب الإثارة، لكن ما ظنَّه البعض مخيلة واسعة تبيَّن أنه حقيقة مثبتة بالأدلة والوثائق.


وتحت عنوان "الحرب الذهنية"، اتَّهم مدير وكالة الاستخبارات المركزية في العام 1953، ألين دوليس، المخابرات الروسية بمحاولة "السيطرة على عقول الرجال أو حرب الأيديولوجيات"، فاسحاً الطريق أمام مغامرة جديدة لوكالته، في محاولة للتصدي "للدب الروسي".

وفي وثيقة نشرها موقع قناة "History"، أشار دوليس أن أسرى الحرب الأميركيين العائدين من كوريا، أصبحوا بمثابة "قذائف" تردد الدعاية الشيوعية بعد سماعها باستمرار لعدة أسابيعٍ حتى نهاية الحرب. وأعرب عن مخاوفه وشكوكه بشأن استخدام الشيوعيين في كوريا للمواد الكيميائية أو التنويم المغناطيسي، أو شيء آخر كلياً مع الجنود الأميركيين. واعترف في خطاب قائلاً: "نحن في الغرب نعجز بعض الشيء عن استخدام الحروب الذهنية. هذا النوع من التجارب غير الأخلاقية -حتى وإن كانت تُجرى على الأعداء- يتناقض مع القيم الأميركية ومع القيم الإنسانية أيضاً، على حد تعبيره.

وبينما كان هذا الخطاب العلني للوكالة، كان العمل السري أكثر عمقاً وخطورة. روّجت وسائل الإعلام لجنون الشك والاضطهاد، وصدرت كتب عن علماء غير مؤهلين ومؤامرات سياسية واسعة، مثل "المرشح المنشوري The Manchurian Candidate"، و"الغداء العاري The Naked Lunch".


مشروع "إم كيه ألترا"

في هذه الأثناء وافق دوليس على بدء مشروع "إم كيه ألترا"، وهو برنامج سري للغاية "لاستخدام المواد البيولوجية والكيميائية" للسيطرة على الدماغ.

تمحورت التجارب بشكلٍ عام عبر العلاج بالصدمات الكهربائية، والتنويم المغناطيسي، وأجهزة كشف الكذب، والإشعاع، ومجموعة متنوعة من العقاقير والسموم والمواد الكيميائية. واعتمدت هذه التجارب على مجموعة من المشاركين تطوَّعَ بعضهم للمشاركة في الدراسات بإرادتهم، بينما تطوع البعض بالإكراه، بالإضافة إلى مَن لم تكن لديهم أي فكرة عن البرنامج.

ومن الفتيان المعاقين ذهنياً في أي مدرسة، مروراً بالجنود الأميركيين، وانتهاءً بالمُختلين عقلياً وجنسياً في أي مستشفى بالولاية، استغلت برامج "إم كيه ألترا" في الأغلب الأفراد الأكثر ضعفاً في المجتمع. واعتبرت وكالة الاستخبارات السجناء بوجهٍ خاص أدواتِ تجربةٍ جيدة، إذ إنهم كانوا يوافقون على المشاركة مقابل تخفيف العقوبات.

وكتب وايتي بولغر، وهو أحد رموز الجريمة المنظمة في أميركا سابقاً، عن تجربته في المشاركة في برنامج "إم كيه ألترا" عندما كان سجيناً في أتلانتا عام 1957: "8 سجناء في حالة ذعر وارتياب، وفقدان تام للشهية، وهلوسة. شكل الغرفة يمكن أن يتغيَّر، وتمر ساعاتٌ من الشعور بجنون الشك والاضطهاد والرغبة في العنف. شهدنا فتراتٍ مُروِّعة من الكوابيس الحية، لدرجة أننا شاهدنا دماءً تخرج من الحائط. تحول الرجال إلى هياكل عظمية أمامي، ورأيت كاميرا تتحوَّل إلى رأس كلب. شعرت وكأنني أفقد عقلي".

وزعم بولغر أنه حُقِنَ بمادة LSD (ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك)، التي أصبحت إحدى أهم أدوات الـCIA في برنامج "الحرب الذهنية" الخاص بها، خصوصاً في الاستجوابات.


تصدٍّ أو تقليد للروس

وكانت وكالة الاستخبارات المركزية تلقَّت في أواخر أربعينيات القرن الماضي تقاريرَ حول قيام الاتحاد السوفييتي بجهودٍ مُكثَّفة لإنتاج مادة LSD، وأن السوفييت حاولوا شراء المخزون العالمي لها. ووصف أحد مسؤولي الوكالة بأنها كانت خائفة حرفياً من برنامج السوفييت، وخاصةً بسبب نقص المعرفة عن المادة في الولايات المتحدة.

وبظهور برنامج "إم كيه ألترا"، تحول اهتمام الحكومة بمادة LSD من منظورٍ دفاعيٍ إلى آخرٍ هجوميٍ. وظلت الوكالة مدركةً تماماً لردود الفعل الشعبية، فحرصت على إبقاء الأمر سراً رغم إيمانها بضرورة البرنامج للأمن القومي، إذ كيف يمكن أن تفسر الوكالة حقنها للمواطنين الآمنين بمادة LSD؟

وكتب المفتش العام للوكالة عام 1957 دايفيد دنبار قائلاً: "يجب توخي الحذر ليس فقط لعدم كشف هذه العمليات لقوات العدو، بل لإخفاء هذه الأنشطة عن المواطنين الأميركيين بشكلٍ عام أيضاً". وأضاف: "يمكن أن تتسبَّب معرفة أن الوكالة تشترك في أنشطة محظورة وغير أخلاقية في تداعيات خطيرة داخل الدوائر السياسية والدبلوماسية، وستضر بإنجاز مهمتها".


عملية "ذروة منتصف الليل"

كانت التجارب الأولية للوكالة في استخدام مادة LSD بسيطة تماماً، ولكنها كانت غير أخلاقية بشكلٍ صادم. حقنت الوكالة أهدافاً فردية، وكلفتهم بالعثور على متطوعين كلما استطاعوا، وأحياناً بدسِّ العقار في مشروبات زملائهم الموظفين بالوكالة. وبمرور الوقت، نمت تجارب استخدام مادة LSD بشكلٍ متزايد. وربما كان أشهر هذه المشروعات هو "عملية ذروة منتصف الليل".

وفي العام 1955، في المبنى رقم 225 الواقع بشارع تشيسنوت في مدينة سان فرانسيسكو، أشرَفَ الكابتن جورج وايت، على تحضير "غرفة حمراء". كان وايت يعمل في المكتب الفيدرالي لمكافحة المخدرات نهاراً FBN، ثم استخدام هذه العقاقير لتجارب بشرية لمصلحة الـ CIA ليلاً.

كلَّّف وايت طالب هندسة في جامعة بيركلي بوضع أجهزة تنصت ومرآة ذات اتجاهين. كان يجلس خلف المرآة وفي يده كأسٌ من النبيذ، بانتظار العمل. اما العاهرات فكنَّ يستدرجن زبائنهن الغافلين إلى غرفة النوم، حيث يُحقَن هؤلاء الرجال بمادة LSD، ليراقب وايت تصرفاتهم من خلال المرآة. وكمكافأة على خدماتهن، تحصل العاهرات على 100 دولار في الليلة، بالإضافة إلى تعهَّدٍ بالتوسط في حال تعرَّضهن لمساءلة قانونية مستقبلاً.

ومع أن وكالة الاستخبارات المركزية استخدمت هذه "المنازل الآمنة" كمرحلةٍ لاختبار تأثير مادة LSD، تحوَّل اهتمام وايت إلى عنصرٍ آخر في مراقباته، وهو الجنس. وتحول منزل سان فرانسيسكو مركزاً لما أطلق عليه أحد الكًتاب "العمليات الجنسية لوكالة الاستخبارات المركزية"، إذ بدأ مسؤولو الوكالة في طرح أسئلة جديدة حول كيفية العمل مع العاهرات، وتدريبهن للتعامل مع أسرار الدولة. وحلَّلَت الوكالة أيضاً الوقت الأفضل لاستخلاص المعلومات من أي مصدرٍ أثناء علاقةٍ جنسية: بعد ممارسة الجنس مباشرةً.

ولكن ربما ما لا يثير الدهشة هو أن الكثير من أفعال وايت كانت بدافع استراق النظر. وقال وايت لاحقاً: "كنت أعمل بكدٍّ وإخلاص في سان فرانسيسكو، لأن الأمر كان ممتعاً للغاية. في أي مكانٍ آخر يمكن لفتى أميركي قوي أن يكذب، ويقتل، ويخدع، ويسرق، ويغتصب، وينهب وهو في أعلى درجات الانتشاء؟".


نهاية برنامج إم كيه ألترا

استمرَّت تجارب وكالة الاستخبارات المركزية باستخدام مادة LSD حتى العام 1963. وفي ربيع ذلك العام، اكتشف جون فانس، وهو أحد أعضاء هيئة المفتش العام بالوكالة، الإدارة السرية للمشروع. ورغم أن مديري برنامج "إم كيه ألترا" حاولوا إقناع مجلس المراجعة المستقل بأن البحث يجب أن يستمر، أصرَّ المفتش العام على أن تتبع الوكالة إرشادات أخلاقية جديدة في البحث، وأن تُنهي كافة البرامج المُطبَّقة على المتطوعين غير الموافقين.

وفي العام 1977 أشرف السناتور إدوارد كينيدي على جلسات الاستماع بالكونغرس لموظفين سابقين بالوكالة. وكشفت الجلسات تفاصيل مُزعِجة، وخاصةً تلك المُتعلِّقة بواقعة انتحار الدكتور فرانك أولسون، وهو عالم عسكري قفز من شرفة غرفة بفندقٍ بعد عدة أيام من تناوله شراباً يحتوي على مادة LSD دون قصد.

وفي ظل التجريم المتزايد لتعاطي المخدرات، وبعد سنوات قليلة فقط من إعلان الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون أن تعاطي المخدرات هو العدو الأول للبلاد، بدت مفارقات التجارب المقلقة للولايات المتحدة في استخدام العقاقير واضحة للعيان.

ولكن خلال جلسات الاستماع، استمرَّ الكونغرس في كشف حقائق صادمة، وعندما طلبوا فحص السجلات، تبيَّن أن مدير مشروع البرنامج طلب من موظفيه تدمير كل الملفات والسجلات الورقية العام 1972، وذلك لطمس أحد أكثر المشروعات غير القانونية بالولايات المتحدة.



(Huffington Post)