الى ماذا سيؤول اليه الوضع في لبنان؟! هو السؤال الوحيد اذي بات يُصبِح عليه اللبنانييون ويُمسون، باحثين عن اجابة شافية وواضحة منذ تاريخ اعلان رئيس الحكومة سعد الحريري استقالته من المملكة العربية السعودية. وكما يبدو، إنه سؤال تعجيزي لان حتى العالمين بكواليس السياسية والغازها وخباياها من قيادات ورؤساء احزاب وتيارات يقفون اليوم امامه موقف التلميذ "القلق" الذي "لا حول له ولا قوة"، فلقد حان وقت امتحانه وهو بغير دارس او حافظ .


لاشك في أن التعاطي الحاصل اليوم من قبل القوى السياسية اللبنانية مع تداعيات الاستقالة هو تعاطٍ الى حد ما مسؤول في جانب منه إلا أنه يطوي في جانبه الآخر على "قلوب مليانة" مضبوطة بـ"المسكنات ". والمؤشرات على ذلك كثيرة، كشفها الاتفاق الضمني على الاستمرار في السير في التسوية وتحييد النقاط الخلافية بين طرفي ربط النزاع عبر ترميم الصدع الذي حصل فيها نتيجة الاستقالة، وذلك بالاتفاق على سؤال موحد محوره اسباب وظروف ومصير "رئيس حكومة لبنان" سعد الحريري ليبنى على الشيء مقتضاه .مع أنه وإن تعددت الاسباب فهذا لا يعني أن النتيجة ليست واحدة و"الموت" واحد وهو كشف الغطاء عن لبنان والعمل على الحاقه بقافلة التسوية الكبرى التي تجري في المنطقة حيث ليس للنأي بالنفس عنها من مجال.

قد يجد البعض أن التسوية اللبنانية تلفظ انفاسها الاخيرة طالما أن التوازن الذي ارسته بانتخاب رئيس للجمهورية من فريق 8 آذار مقابل منح رئاسة الحكومة الى قوى 14 آذار قد انكسر باستقالة الحريري، في حين يجد البعض الآخر أن التسوية ما زالت قائمة في ظل وجود رئيس جمهورية قوي قادر على الحفاظ على التوازنات القائمة في البلد تحت سقف الدستور. إلا أن الاهم من ذلك ما كشفه المشهد اليوم من اوراق اتفاق كانت سبباً رئيسياً في نضوج التسوية وابرزها الكشف عن منح فريق ضمانات تقوم على التضييق على "حزب الله" والحدّ من تدخله في دول المنطقة والعمل على نزع سلاحه، حيث جاءت الاستقالة كرد على عدم انتهاز الفرصة الممنوحة كما يجب والنكول عن تنفيذ الضمانات الموعودة. بالطبع الضمانات المقابلة لدى الطرف الآخر لم تكن اقل تعقيداً والتي بدأت بواردها تتكشف مع التواصل الرسمي مع النظام السوري والدعوات نحو التطبيع معه، والتي كانت قاب قوسين أو ادنى من تحقيق فوز كبير في مرمى اهدافها لولا اقتحام السعودية مباشرة لانتزاع ورقة الحكومة من التسوية.

وبالعودة إلى المعطيات التي تدوالتها وسائل اعلام مختلفة اختلطت فيها الحقائق بالاشاعات، إلا أن ما حمله بعضها من وقائع ومجريات دارت وتدور في الاروقة الدبلوماسية لكبرى الدول، يؤكد على أن ما يحصل اليوم على مستوى الساحة اللبنانية لا يمكن فصله عن اجوائها خاصة تلك التي حصلت في الايام القليلة السابقة لحصول استقالة الحريري والتي نوجز ابرزها بما يلي:

- لقاء جمع صهر الرئيس الاميركي دونالد ترامي جاريد كوشنير بولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان في زيارة غير معلنة، والذي وفق تسريات صحافية، كان الهدف منه اعادة احياء المفاوضات الفلسطنية في ظل رغبة سعودية في زيادة الدعم المالي لفلسطين في حال تخلت حركة "حماس" عن الدعم المادي الذي تتلقاه من ايران و"حزب الله" .

- حصول لقاء جمع مسؤولاً اميركياً رفيعاً ورئيس جهاز الامن الوطني السوري علي مملوك كانت وضعته التسريبات الاعلامية في اطار التنسيق التدريجي انطلاقا من مكافحة الارهاب، على أن يكون الثمن انسحاب "حزب الله" من سوريا، مع الاشارة الى أن واشطن كانت قد نفت نار خبر هذا الدخان.

- امتعاض اميركي من التقارب السعودي - الروسي والذي حصل بالزيارة الاخيرة للملك السعودي الى موسكو، وقد برزت بشائره الاولى مع عرقلتها للعرض الأولي للمملكة لشركة " ارامكو" السعودية.

اذا هي معطيات تبقى في اطار المساعي لبعض القوى المؤثرة في اطار اعادة رسم خريطة المنطقة، والتي كما يبدو، أعيد لبنان الى وسطها حيث جميع الفرضيات مفتوحة وربما الاخطر بينها، فرضية التدخل العسكري في لبنان تحت عنوان "حق الدول في الدفاع الشرعي عن النفس" سندا إلى المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة باعتبار ان هذا الحق مشروع في حال كانت الحكومة التي وقع منها الاعتداء غير قادرة أو متقاعسة عن حماية الدولة المعتدى عليها أو أنه ليس لديها حكومة وتعاني من صراعات، على ما ينتج عن هذا التدخل من تدخلات أخرى مقابلة تعيد وصل الساحة اللبنانية بالساحة السورية بشكل اعمق وتوسع لقادتها الميدانيين نطاق عملياتهم العسكرية لتمتد الى الاراضي اللبنانية حيث لا يستبعد دخول جديد لقائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني عليها.




ميرفت ملحم 

لبنان 24