"مرآة للشرق الأوسط"، هكذا كان لبنان على مر العصور. فالأطراف الفاعلة الأقوى في المنطقة تستخدم (هذا البلد العربي المشهور بجَماله)، كساحة لحروبهم بالوكالة، أو حلبة يدور فيها الصراع العربي-الإسرائيلي، ومكاناً لاختبار النوبات الدورية للتعايش السعودي-الإيراني.


"إنها المنطقة التي تلوّح فيها الأطراف الفاعلة بالحرب وتتفاوض على الهدنة المؤقتة. وفي الأسبوع الماضي، كما هو الحال في أوقات كثيرة، لم يكن الشرق الأوسط رحيماً بلبنان"، حسب الوصف الذي ورد في مقال بمجلة "ذَا أتلانتيك" الأميركية كتبه روبرت مالي، نائب رئيس السياسة بمجموعة الأزمات الدولية.

يقول مالي، الذي شغل منصب منسق شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والخليج بالبيت الأبيض في عهد الرئيس أوباما: "لقد جاءت هذه الأنباء فى الرابع من تشرين الثاني 2017 بشكل تطورات متتالية في غضون 10 ساعات فقط.


أولاً: الاستقالة

أعلن سعد الحريري استقالته. وكونه أعلن استقالته من الرياض له دلالته. أما الطريقة التي أدلى بها البيان، والتي بدت كبيان يلقيه شخص يقرأ نص الحكم عليه بالسجن، فهي تروي باقي القصة.

رئيس الوزراء هو من قرأ البيان، لكن القرار اتُّخذ في السعودية. كان لدى محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي في المملكة، سبب يدعو إلى حدوث ذلك. مع تزايد التوترات السعودية-الإيرانية، أصر بن سلمان على تصوير طهران كمصدر لجميع الشرور الإقليمية.

ورئاسة الحريري حكومة تضم حزب الله تقوّض بشكل أساسي الرسالة الأساسية: فهي تعني السماح لأحد حلفاء الرياض الأقرب بالتعاون مع حليف طهران الأكثر ولاء. فقد خلقت رئاسة الحريري للوزارة انطباعاً بأن التعايش مع حزب الله؛ ومن ثم مع إيران، ممكن؛ لذلك دُبِّر رحيله لمحو أي شك.

قبل عام، طُلب منه تولي رئاسة الوزراء، في ذلك الوقت كان الهدف منه حماية لبنان من أخطار التنافس السعودي-الإيراني؛ وباستقالته، أصبح لبنان الآن معرَّضاً تماماً لها. وبذلك تم ضم هذا البلد إلى معسكر أعداء السعودية.


ثانياً: صاروخ الحوثيين

وكان الفصل الثاني هو أن السعودية اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن يستهدف مطار الرياض. لم يكن هذا هو الصاروخ الأول الذي أطلقه الحوثيون، وهي جماعة يمنية متمردة تتمتع بدعم من إيران وحزب الله، ضد جارتها الشمالية، ولكن توقيت الاعتداء والمدى غير المسبوق قد يجعلان هذه الخطوة ذات تبعات خطيرة.

إن مدى الدعم الخارجي للحوثيين أمر يثار حوله الجدل، على الرغم من أن المسؤولين الأميركيين والسعوديين ليس لديهم أي شك في أن التقدم الدراماتيكي ببرنامج الصواريخ الباليستية للحركة المتمردة ما كان ليحدث سوى بتدريب ومساعدة حليفيها. ومثلما حدث في واقعة استقالة الحريري، قام المسؤولون السعوديون بسرعة وبشكل علني بالربط بين هذه الضربة وإيران وحزب الله؛ فقد أعلنوا أنها عمل من أعمال الحرب التي يتحمل مسؤوليتها كلاهما، وأنها ستردّ عليهما.

لقد شهد لبنان، والمنطقة كلها، هذا الوضع من قبل؛ فإن فراغ السلطة في سياق التوترات المتزايدة ليس شيئاً جديداً. لكن الجديد هو تخوُّف إسرائيل على نحو غير عادي، وقيادة سعودية صارمة ومتهورة بشكل غير عادي، وبطبيعة الحال، رئيس أميركي غير عادي.

أما بالنسبة لإسرائيل: فقد ظلت منذ شهور تدق أجراس الإنذار حول تأثير حزب الله وإيران المتنامي في سوريا، وبالأخص حول قدرة الحركة اللبنانية التي ستحصل قريباً على إنتاج صواريخ دقيقة التوجيه محلياً، وهو ما يرى مسؤولون إسرائيليون أنه تطور محتمل قد يغير قواعد اللعبة، ويجب إحباطه.

أما بالنسبة للقيادة السعودية الجديدة، فإن بن سلمان مقتنع بأن المملكة العربية السعودية تتعرض للإساءة من قِبل إيران منذ فترة طويلة، وأن الرياض خانعة أكثر من اللازم. وهو يرى أن لدى طهران مالاً، ومعدات عسكرية، وحلفاء دوليين أقل بكثير مما لدى الرياض، ولكن مع ذلك تمارس السيطرة على بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء؛ بل وتتوسع أيضاً. ويعتقد أن المملكة العربية السعودية وشركاءها لن يستطيعوا أن يوقفوا إيران -سواء في اليمن أو العراق أو لبنان- ويحوّلوا الدفة لصالحهم، سوى بالحزم والقوة.

وحتى الآن، أظهر بن سلمان، من المغامرة العسكرية الفاشلة باليمن إلى الخلل الدبلوماسي في السعي لعزل قطر، ميلاً أقوى لإثارة الأزمات بدلاً من إنهائها.


ترامب يشجعه

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد كان الرئيس ترامب، بتصرفاته غير المتوقعة وتقلباته المتنوعة، متسقاً مع نفسه في شيء واحد على الأقل، وهو عداوته لإيران، التي أصبحت السمة المميزة لسياسة إدارته في الشرق الأوسط. ويشير المسؤولون الأميركيون إلى استعداده لاتخاذ إجراءات ضد إيران لاستعادة مصداقية الولايات المتحدة وقدرتها على الردع، الذي يشعر بأن سلفه قد ضيعهما. في هذا، يبدو أن نهجه متسق إلى حد كبير جداً مع نهج بن سلمان: فهو يرفض التعامل الدبلوماسي مع طهران ومقتنع بالحاجة إلى إقامة توازن جديد للقوى، ما يجعله أقل ميلاً لتثبيط بن سلمان من تشجيعه.


ما الذي يكبح الحرب؟

قليلون في لبنان يعتقدون أن الحرب الشاملة باتت وشيكة، حيث إن الأطراف الثلاثة جميعها لديها أسباب تدعو إلى ضبط النفس. والسبب في أن إسرائيل تريد أن تضرب حزب الله بقوة هو السبب نفسه الذي يمنعها من القيام بذلك؛ أي احتمال إطلاق وابل من الصواريخ على مراكزها الحضرية.

وتمتلك إسرائيل قدرة أكبر بكثير على إلحاق الأذى، ولكن حزب الله يمتلك قدرة أكبر بكثير على استيعاب هذا الأذى، مما يعني أن أي عملية إسرائيلية واسعة النطاق معرضة لخطر أن تظل مفتوحة.


(هافغتون بوست)