التدابير السريعة التي اعتمدها الرئيس ميشال عون لمواكبة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، وخصوصاً تلك الاجتماعات مع السفراء العرب والاجانب، انتجت مواقف دولية وغربية هدفها اقامة مظلّة حماية او حزام امان لمنع جرّ لبنان الى آتون الصراعات واي حرب مقبلة، وكان للعديد من الدول بيانات تؤكد تمسّكها باستقرار لبنان وسلامته وبعدم انزلاقه الى صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، وهذه المواقف ان دلّت على شيء فعلى ان لبنان ما زال في بال وذاكرة هذه الدول، والفضل في ذلك، بنسبة كبيرة، يعود الى رئيس الحكومة سعد الحريري الذي وضع باقة علاقاته وصداقاته في خدمة لبنان، ولذلك وحتى تنجلي تماماً صورة استقالة الحريري، ويعود الى وطنه لبنان التي نتمنى ان لا تكون بعيدة، هناك واجب اساسي وهام، على جميع المسؤولين الاّ يتجاهلوه ويبتعدوا عنه، ويغرقوا في شكليات الاستقالة، التي على أهميتها، ليست أهم من مضمون الاستقالة التي يعرف الجميع انها ليست بعيدة عن تفكير الحريري واقتناعاته وثوابته، كما انها ليست بعيدة عن طموحات ورغبات، على الاقل، نصف الشعب اللبناني، ان لم يكن اكثر...
ان فتح مضمون الاستقالة للدرس في الوقت الضائع الحالي، يدل على حسن نيّة المسؤولين في التوصل الى حلول تنزع فتائل الخلاف على قضايا اساسية لا يتفق عليها اللبنانيون، وهي من أسباب التوتر الدائم المسيطر على لبنان منذ عقود، وهي تنحصر في الحقيقة بسؤال واحد لم يجد له اللبنانيون حتى اليوم جواباً عليه، وهو، هل يمكن للبنانيين بعد التجربة الطويلة ان يعيشوا بسلام في دولة يملك البعض فيها امتيازات غير متوفرة الاّ له؟؟
هل فكّر المسؤولون منذ الآن، انه اذا عاد سعد الحريري واعلن تمسّكه بمضمون استقالته، وان لا عودة الى الصيغ والتسويات السابقة، كيف يمكن ان يتصرفوا، وكيف يمكن ان يديروا شؤون البلاد، بغياب مكوّن اساسي من مكوّنات هذا الوطن، ومعه حلفاء ليسوا ضعافاً ولا هم قلّة؟
وهل فكّر المسؤولون، انه قبل التفتيش على اسواق للمنتجات اللبنانية، ان يفتشوا كيف السبيل الى اقامة علاقات حسنة او جيدة مع دول هذه الاسواق؟
بخلاف الدعوة الى التفاهم والوحدة الوطنية، هل فكّر المسؤولون، واعني هنا ليس رئيس البلاد فحسب، بل النواب والوزراء والقيادات السياسية، بالصيغة الافضل والانجح لضمان عدم تعرّض لبنان لمشاكل الآخرين وحروبهم؟
سمعت من اكثر من مسؤول ان لبنان اليوم في محنة، فهل فكّر المسؤولون، لماذا كان يستقيل رؤساء حكومة، ورؤساء جمهورية ولم يكن اللبنانيون يشعرون انهم في محنة؟
اذا كانت استقالة سعد الحريري سلطت الضوء على المشاكل او المشكلة التي يعيشها لبنان، فلا تغلقوا الباب في وجهها وتتصرفوا كالنعام.
ببساطة كلّية، اعترفوا بشجاعة، ان هناك مشكلة يجب حلّها، قد تكون مشكلة نظام، او قد تكون مشكلة وجود دولة ضعيفة وحزب قوي.
اذا كانت المشكلة في النظام او في الدولة الضعيفة والحزب القوي، فالحلّ موجود في الدستور.
الغاء الطائفية، ونظام وقوانين مدنية، أو لا مركزية ادارية وسياسية موسّعة، وآخر الدواء الكيّ، الذي هو النظام الفدرالي، لكن من «المحال الاستمرار على هذا الحال».