نادراً ما كان ال​لبنان​يون يُجمعون على أمر سياسي واحد. هذا ما يحصل الآن مع قضية وجود ​رئيس الحكومة​ ​سعد الحريري​ في ​السعودية​. تجاوز اللبنانيون أمر الإستقالة. لم يقتنعوا بها لا شكلاً ولا مضموناً، لأن كلّ ما أحاط بها، وما سبقها وتلاها، فرض علامات اليقين بأنّها إستقالة قسرية، فلم يستسغها أحد لا في الداخل اللبناني ولا في الخارج. لم يصدق كل هؤلاء أن جولات ولقاءات الحريري الفردية في ​الخليج​ هي بمحض إرادته. يسأل قريبون منه: كيف يقدم "الشيخ سعد" على نسف كل نشاطاته الحكومية والسياسيّة والشخصيّة بقرار فجائي يتخلى فيه عن فريق عمله؟!. كان الحريري يخطط لتنفيذ مشاريع حكومية مهمّة، ومن بينها بتّ قضية آبار الغاز في البحر. كان يعدّ لعقد جلسات وزارية في المناطق. كان يحضّر لخوض ​الانتخابات النيابية​ بإندفاع. كل لقاءاته وتخطيطه مع فريق مستشاريه كانت تنصب حول ترجمة شعاره: الحكومة تعمل بجد. من هنا كان اليقين عند فريقه السياسي بأن استقالته ليست طوعية، بل قسرية، يقابلها وجوب عودته من اقامة جبرية في السعودية الآن. تلك الأولويّة التي تبناها كل اللبنانيين بإعتبارها تتعلق بكرامة الوطن واللبنانيين.

يدور نقاش في البيت الداخلي السنّي يستوعبه ​مفتي الجمهورية​ الشيخ ​عبداللطيف دريان​ بمشاورات ​دار الفتوى​. الكل يستغرب كيفيّة تصرّف الرياض مع رئيس الحكومة اللبنانية، حتى قال أحدهم: لقد فرض ذاك التصرف إجماعا لبنانيا حول الحريري، لكن ضمنياً أوجد تباعداً مع السعودية التي تُعتبر "الراعي والشقيق العربي الأكبر". كلما طالت اقامة الحريري، كلما إزدادت مساحة التباعد. يحاول "الصقور" أن يحولوا المسار لوضع كرة المسؤولية في مرمى ​حزب الله​. لم ينجح لا الوزير السابق ​أشرف ريفي​، ولا النائبان ​خالد الضاهر​ و​أحمد فتفت​ بالمهمة. الشارع في مكان آخر، يُجمع على ان الاستقالة قسرية، ويترقب عودة الحريري. ساهم في إضفاء هذا الجو التصرف السياسي اللبناني المسؤول مع القضية، خصوصا تعاطي رئيسي الجمهورية ​ميشال عون​ و​مجلس النواب​ ​نبيه بري​. ترجما انسجاماً واضحاً في الأداء والتصرف والتعبير، وأحاطا تيار الحريري بالاهتمام. جاءت تصريحات الأمين العام لحزب الله ​السيد حسن نصرالله​ لتصبّ أيضا في الاتجاه نفسه. أنه التكامل اللبناني بين الجسم السياسي والشعب التفافاً حول الحريري.

هل يعيده هذا الالتفاف؟

لم يكن ببال أحد أن ردة الفعل اللبنانية ستتحول الى حاضنة لرئيس الحكومة. ربما شكّل الأمر صدمة، أو تفتيشاً عن صيغة أخرى. لم ينفع الإيحاء بأن إستقالة الحريري طوعيّة. قد يُجبر الحريري على التصريح من جديد، والإصرار على الاستقالة. لكن ذلك لن يغيّر في الأداء اللبناني. العودة الى لبنان هي الاولوية والمعيار الاساس الذي يتحدد على اساسه مسار الحكومة، فإذا أراد الحريري الاستقالة كرمى لقرار السعودية، فليأت الى ​القصر الجمهوري​ ويبلغ ​رئيس الجمهورية​ بالاستقالة. هذا صار معروفاً. لكن الضبابيّة تسود حول قرار السعودية: هل تسمح للحريري بالعودة؟ فلنفترض السيناريوهين: لم تسمح له، فتبقى الاستقالة غير دستورية وبالتالي غير قائمة. وفي حال عودته للاستقالة، سيصار الى قبولها والبدء بإستشارات نيابية لتكليف رئيس حكومة جديد.

ماذا لو طال أمر الاقامة، هل يتحمل لبنان شغورا طويلا؟

يقول مطلّعون أن تحركاً دوليا سيجري لاعادة الحريري الى ​بيروت​، وبعدها سيصار في أبعد تقدير، في حال أجبر مجددا الحريري على التصريح والاستقالة، الى اجراء استشارات نيابية وتكليف الحريري مرة أخرى بالاجماع على وقع تحركات شعبية وطنية تملأ الشوارع وتطالب بعودة الشيخ سعد الى لبنان.

هذا ما تفكر به مجموعات سياسية لبنانية. لكن المشروع قيد الدرس، بإنتظار استنفاذ المحاولات التي تحتمل الترقب.

بالاستنتاج، لقد أحاط اللبنانيون بمختلف قواهم وانتماءاتهم الحريري، وصارت العواصم مضطرة للضغط من أجل اعادته الى لبنان. ما يعني ان الحريري سيعود حتماً. لكن السؤال: متى؟.


عباس ضاهر -  النشرة