انتهت مفاعيل الهزّات الارتداديّة على الحقل السياسي وخرج من دائرة التخبّط الى رحاب التحليق في الاجواء الدولية بحثاً عن جلاء مصير رئيس الحكومة سعد الحريري بعدما ثبُتَ "بالوجه الشرعي" أنه "محتجز" كأقلّ تقدير في السعوديّة. 

النجاح اللبناني لا ينحصر في الخروج إنما في اخراج الدول بمواقف تخدم وجهة النظر اللبنانية التي تقوم على فكرة "حجز حرية الرئيس الحريري" بعدما استطاع الحراك المحلي الذي قاده رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من تسويقه لدى المراجع الدولية استناداً الى معطيات جرى تجميعها من خلال حركة الحريري التي اظهرت التباساً في أكثر من مكان. ثم بات اجتماع القسم الاكبر من الدول يعتقد استناداً على المعطى المحلي، ان "الرئيس الحريري محتجز"، بالتالي، بدأ العمل على ابتكار سبل تحريره، فسارعَ اصحاب القرار والحل والربط الى التحرك باتجاه الرياض.

في هذا الصدد، يتوجه وزير الخارجية جبران باسيل الى باريس الثلاثاء للقاء الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون الذي يتزعم الحراك النشط، وعلى خطِ آخر يتحرّك "اعلام تيار المستقبل" صوب الرئيس "المحتجز" بإملاء سعودي واضح، هدفه أمران:

- تأكيد انضواء الحريري تحت الراية السعودية

- إيصال رسائل حول الثوابت السياسية الاساسية لديه (اي بمعنى آخر شروط قبوله الشراكة بالحكم)

أي أن ذهاب "إعلام المستقبل" الى الرياض، هدفه التسويق للمرحلة المقبلة، ما يرتبط مع الجو الراهن الذي يبحث عن سبل الخروج من المأزق، وفق اتفاق سياسي جديد.

تفهم الدول الغربية أن سبب "احتجاز الحريري" سياسي، وذريعة السعودية هي "انقاذ الحريري من الغرق أكثر من بحر التسوية الحالية"، وبالتالي، يصبح الحل يكمن في استنباط مخرج سياسي لتعود الامور الى نصابها، كونه لا يوجد اسباب عداوة بين الحريري والسعودية تقف خلف احتجازه. أي ان الغاية تكمن في تعديل بنود التسوية التي اوصلت الحريري الى الحكم، والتي ترى فيها السعودية "مغبنة".

وبما أن الجو الحاصل يؤكد أن تحرير الحريري سيتم عبر اتفاق ما، بات من المنطقي طرح السؤال التالي: "متى وكيف ووفق أي سيناريو سيحرّر (أو يعود) الحريري"؟

حتى الساعة، لا يزال التاريخ مجهولاً كون الاتصالات لا تزال في بداياتها، لكن أكثر من مصدر مطلع يؤكد أن "الوقت ينضب، وهذه الازمة غير مرشحة للتمدّد أكثر من وقتها المنطقي، الذي لا يتجاوز الشهر الواحد كحد أقصى".

وبصرف النظر عن الوقت، يتزعم الشق الثاني من السؤال (وفق اي سيناريو سيعود الحريري؟) عقول وألسنة المطلعين الذين يبحثون ويقاطعون كل معلومة تمر في اجواء الاتصالات طمعاً في التقاطها وتحليل ابعادها.

ومما يُرشح من معلومات عن الاجواء، يؤكد أن الحراك يأخذ بعداً اقليمياً – دولياً يقوده الفرنسيون بدعم مصري ويقوم على فكرة أن يعود الحريري الى بيروت ثم يقدم استقالته لرئيس الجمهورية، بضمان عدم الخروج عن توجهات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ثم تترك العملية السياسية تأخذ شكلها الطبيعي بضمانة دولية. والمقصود بالفقرة الأخيرة، وفق مصادر ترصد الاجواء السياسية، هي أن تجري الدعوة الى استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس جديد للحكومة.

ومن المؤكد أن الاستشارات ستؤل نتيجتها، بحكم المواقف والاجواء السياسية الحالية، لصالح الرئيس سعد الحريري، الذي سيعود الى الحكم، لكن وفق شكل "شديد" مبني على "صفقة" تعيد ترتيب المسرح السياسي وفقاً للتغيرات السائدة، اي ان الجزء الثاني من حكم الحريري، سيكون مرتبط بحماية دولية لأسس الصفقة – التسوية التي، وفق رأي المعنيين، تضمن فرض استقرار منظم دولياً.

لتعود المصادر لتتحدث هنا عن موجبات الصفقة الدولية – الاقليمية، التي تقرن عودة الحريري بإجراء هندسة شاملة لبنود التسوية التي حصلت صيف عام 2016 بين افرقاء الحكم، ما يعني ان الحل قائمٌ على أسس تعديل فقرات تلك التسوية وانتاج بنود "مشدّدة" يعتقد أنها ترتبط بمقاربة ملف حزب الله ودوره المحلي وتنظيم علاقة العهد مع القضايا الاقليمية ذات الصراع.

عبدالله قمح | ليبانون ديبايت