عادت المملكة العربية السعودية عن المخطّط الذي كانت تريده أن يحصل في لبنان بعد إجبار رئيس الحكومة سعد الحريري على إعلان استقالته من الرياض، بعد أن تأكّد لها فشله الذريع لعدم قيامها بحسابات مسبقة ووضع كلّ الإحتمالات لمعرفة الى أين سوف تتجه الأمور في حال لم تقع الفتنة السنية - الشيعية في لبنان ولم يقم فريق معيّن في البلد بالتظاهر للمطالبة بنزع سلاح «حزب الله»، أو على الأقلّ بسحب قوّاته من الدول المجاورة مثل سوريا واليمن، على ما كانت تتمنّى، وصولاً الى تهديدها بضرب لبنان عسكرياً من دون حفظ خطّ الرجعة.
أمّا أسباب تراجع المملكة عمّا كانت تُخطّط له وجرى تنفيسه تدريجاً، فتفنّدها أوساط ديبلوماسية عليمة بالقول:
- أولاً: إنّ ما كانت تُراهن عليه السعودية في المبدأ هو خلق أجواء الفتنة بين اللبنانيين، هذا الأمر الذي ظهر «وحدة وطنية» غير مسبوقة والتفاف على شخص الحريري من قبل الجميع، حتى المتعارضين معه سياسياً، ما ارتدّ عليها سلباً من قبل الغالبية التي اعتبرتها تحتجز حريته وحرية عائلته.
- ثانياً: الحملة الوطنية والديبلوماسية التي قام بها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وتأليب المجتمع الدولي على المملكة العربية السعودية لإحاطتها مصير الحريري بالغموض منذ مجيئه اليها (يوم الجمعة في 3 تشرين الثاني الجاري)، واعتبار وسائلها الإعلامية أنّ «الحريري مختفٍ»، واتهام المملكة بإخفائه إمّا بهدف إنهائه سياسياً أو بهدف الضغط على «حزب الله» وإيران بالإرتهان لمطالبها. فالمظلّة الدولية التي كانت تتمنّى أن تحصل عليها باتهام «حزب الله» الإرهابي وإيران بالسيطرة على المنطقة لم تجدها نظراً لتعاطيها الخاطىء مع الحريري وربط استقالته بما يحصل بينها وبين إيران من صراع في اليمن.
- ثالثاً: تهديد بعض المسؤولين فيها بالقيام بضربة عسكرية على لبنان، من قبل المملكة أو إسرائيل، بهدف إثارة الرعب في النفوس، لم يأخذ بالإعتبار وجود مليون ونصف نازح سوري على الأراضي اللبنانية، وأنّه بمجرّد إطلاق الصاروخ الأول باتجاه لبنان، سيجعل هؤلاء يهربون منه. وهنا قد لا يتمكّن أحد من تحديد وجهتهم بعد الذعر الذي سيصيبهم، فهل تكون دول الجوار، أو بلادهم؟ فإذا قرّروا العودة الى بلادهم تكون قد حقّقت المملكة عندها ما ترفضه في الوقت الحالي لعدم تعويم النظام السوري وحليفه الإيراني.
أمّا الإطلالة المتلفزة الأولى للحريري بعد «تغييب» دام ثمانية ايّام منذ إعلان إستقالته القسرية من الرياض، فهي الدليل الأول والذي لا لُبس فيه على تراجع المملكة، على ما أكّدت الاوساط، وعلى حفظ ماء وجهها أمام الدول العربية من جهة، كما أمام المجتمع الدولي من جهة ثانية الذي كاد أن يتّهمها بإخفاء الحريري. مع الإشارة الى أنّ ما حصل أعاد الى الأذهان الحادثة المشؤومة التي قام بها الرئيس الليبي معمّر القذّافي منذ 39 عاماً عندما أخفى الإمام موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عبّاس بدر الدين، وقد خشي الكثيرون من أن يطول إخفاء الحريري عن الأنظار رغم ظهوره خلال أيام احتجازه لمرتين عبر الإعلام، الأولى لدى قيامه بزيارة الى الإمارات ولقائه ولي عهد أبو ظبي، والثانية بين مستقبلي العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز في المطار لدى عودة الأخير من المدينة المنوّرة.
وما ورد على لسان الحريري في المقابلة التلفزيونية، تجده الأوساط نفسها أنّه موقف السعودية من الألف الى الياء، سيما وأنّها كانت مُراقبة ومُقرّرة من قبل رجال الأمن والإستخبارات فيها، وأتت بعد فشل المخطط الذي يُمكن وصفه بالعشوائي وغير المدروس من قبلها. فيما «الصدمة الإيجابية» التي تحدّث عنها الحريري مراراً وتكراراً، وبأنّه كان يريد إحداثها في البلد من خلال استقالته المفاجئة، فلم تكن على هذا النحو، على الأقلّ بالنسبة للبنان واللبنانيين بل كانت سلبية، غير أنّ قدرة الرئيس عون والشعب اللبناني على احتوائها هو ما خفّف من وقعها.
وفي أرجاء بعبدا، ثمّة صدى إيجابي لما قاله الحريري خلال المقابلة المتلفزة، رغم تأكيد البيان الصادر عن بعبدا الذي سبق بثّ المقابلة على عدم الأخذ بأي كلام يصدر عن الحريري ما لم يعد الى لبنان ويلتقيه الرئيس عون شخصياً، وبعد هذا اللقاء يُبنى على الشيء مقتضاه بعد الإحاطة بملابسات الإستقالة وتفاصيلها. ومن ثمّ جرى بعد المقابلة التأكيد من القصر على أنّ انتظار عودة الحريري وعائلته الى لبنان تبقى أولوية الأولويات وبناء على ذلك يُبنى على الشيء مقتضاه.
ونقل زوّار بعبدا عن الرئيس عون أنّ هناك ثلاث نقاط مهمّة استنتجها من كلام الحريري أشاعت أجواء الإرتياح في البلد، وهي:
1- إرتياح الى موقف الحريري الميثاقي والدستوري في موضوع الإستقالة وإعلان الحريري بوجوب تقديمها الى رئيس الجمهورية طبقاً للدستور اللبناني، ما يدلّ على تلقّف الحريري عدم قبول الرئيس عون بالإستقالة، الأمر الذي يدلّ على أنّ الحكومة الحالية هي كاملة الأوصاف وغير مستقيلة حتى الآن.
2- الإشارة الى احتمال عودة الحريري عن استقالته بشرط الحوار، علماً أنّ الحوار هو مفتوح دائماً بين اللبنانيين، ولكن قبل العودة لن تتمّ أي دعوة للحوار، ولن يتمّ البحث في هذا الموضوع اساساً أو في تشكيل حكومة جديدة قبل عودة الحريري الى الأراضي اللبنانية.
3- حرص الحريري على العلاقة الشخصية التي تربطه بالرئيس عون والتي اعتبرها الحريري فخراً له، مع التشديد على المحافظة على التسوية السياسية بينهما. ما يعني أنّ التسوية السياسية ما زالت قائمة، وإن كان يرى البعض أنّها ستكون «تسوية جديدة»، وبشروط جديدة.
فهذه المواقف لكي تسمح المملكة بأن تصدر على لسان الحريري وهو محتجز في الرياض، على ما أوضحت الاوساط، يعني أنّها موافقة عليها، وأنّ الأزمة التي أدخلت فيها البلاد منذ يوم السبت في 4 تشرين الثاني الجاري، قد قطعت بالتالي شوطاً كبيراً في اتجاه الحلحلة، حتى وإن اشترط الحريري مقابل العودة الى لبنان والعودة عن استقالته، التزام «حزب الله» بالنأي بالنفس والإبتعاد عن صراعات المنطقة.
علماً أنّ الحزب سينسحب من تلقاء نفسه من سوريا بعد أن خفّت وطأة المعارك فيها، وسيطر النظام على معظم المحافظات، ومع ما يتمّ التداول به دولياً من أجل التوصّل الى حلّ شامل للأزمة السورية. أمّا بقاء عناصر الحزب في اليمن فسيخفّ تدريجاً أيضاً، بحسب المعلومات، لأنّ إيران ليست بوارد شنّ حرب على السعودية من الأراضي اليمنية. وما الصواريخ التي يُطلقها الحوثيون باتجاه المملكة سوى ردّ مستقّل، ويعود سببه الى الإعتداءات السعودية وليس الى تحريك من أي دولة أخرى.
يبقى أنّ عودة الحريري بعد تأمين الظروف الأمنية المناسبة له ولعائلته تبقى محفوفة بخطر استغلالها من قبل الطابور الخامس، على ما كشفت الاوساط، خصوصاً وأنّه أعلن أنّه مستعدّ لتقديم حياته فداء للبنان، على غرار والده. فاستهداف الحريري، أو استهداف الساحة اللبنانية يبقى أمراً وارداً، ويهدف الى تسميم الأجواء وإثارة حالة من الهلع والذعر في نفوس اللبنانيين، وهذا الأمر سوف يأخذه الحريري بالإعتبار قبل العودة. وأملت الاوساط في أن تسهم زيارة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الى المملكة ولقاء العاهل السعودي وولي العهد والحريري الى تبديد هذه المخاوف وتسريع عودة الحريري وعائلته الى لبنان.