رغم ما يطرح من حديث عن مبادرات خارجية واتصالات تقوم بها بعض الدول مع النظام السعودي للافراج عن رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، الا ان المقابلة التي سمحت بها الرياض لرئيس الحكومة لا تزال تحظى بالاهتمام الاكيد لدى القيادات الرسمية والحزبية، نظراً للمقاربة الجديدة التي تضمنتها المقابلة بعكس الشروط العالية التي كان وضعها «البلاط» الحاكم في السعودية في بيان الاستقالة، والتي  اقل ما يقال فيه انه اراد تخريب لبنان واحداث فتنة طائفية وصولاً الى استجداء عدوان اسرائيلي على لبنان.
وفي معطيات لمصدر وزاري مطلع ان مضمون مقابلة الحريري حملت الكثير من المتغيرات عن تلك التي تضمنها بيان الاستقالة، بل ان اللغة الهادئة التي اعتمدها الحريري في مقابلته التي تعبر عن التوجهات السعودية، مردها الى اضطرار نظام آل سلمان الى التراجع عن حملة التهديد والوعيد التي بدت في الايام الماضية التي سبقت المقابلة بغض النظر عن القلق والتجهم واختصار الاجابات التي ميزت شخصية رئيس الحكومة خلال المقابلة، ولهذا يلاحظ المصدر الوزاري ان ما دفع النظام السعودي الى التراجع حملة وقائع حصلت بعد تقديم الاستقالة كان ابرزها الآتي:
1- توحد اللبنانيين بكل طوائفهم وفئاتهم السياسية باستثناء اقلية بسيطة خرجت عن هذا التضامن، في مواجهة محاولات وضع البلاد نحو الفتنة الطائفية والمذهبية.
2- طبيعة الاداة الهادئة البعيدة عن اي تصعيد من قبل رئيسي الجمهورية ومجلس النواب والفريق الاساسي المعني بالاستقالة اي حزب الله، وبالتالي خلق شبه اجماع لبناني على ان الاولوية هي لاخراج النظام السعودي عن الحريري، بما يسمح بعودته الى لبنان.
3- اصرار كل الاطراف الاساسية بدءاً من الرئيس عون على ان الاستقالة غير دستورية وغير موجودة طالما انها حصلت من خارج لبنان، وهذا الاخير دفع الحريري للقول خلال المقابلة انه لم يعتمد الاليات الدستورية لطبيعة الاستقالة.
4- العوامل الخارجية، التي بدأت تضغط على محمد بن سلمان ومجموعته بدءاً من الوساطة الفرنسية الى مواقف الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة ومصر ودول اخرى، حيث رفض المجتمع الدولي اي مساس بالاستقرار الداخلي او التدخل في شؤون لبنان وبالتالي فكل هذه العوامل دفعت النظام السعودي الى مراجعة ما كان اعده من مخطط لضرب استقرار لبنان.
ويضيف المصدر الوزاري ان هذه المعطيات اضطرت بن سلمان الى اعطاء التوجيهات للحريري ليكون خطابه اقرب الى الاعتدال رغم تكرار لم يسمى سياسة النأي بالنفس، وصولاً الى ابقاء الباب مفتوحاً على التسوية حتى انه ابقى الباب مفتوحاً للعودة عن الاستقالة. وكل هذه الامور ما كانت ستحصل لو لم تشعر الرياض انها ادخلت نفسها في «ورطة» كبيرة نتيجة فتحها للحرب الشاملة ضد لبنان.
انطلاقاً من هذه المعطيات يبقى هناك سؤالين اساسيين، الاول يتعلق بعودة الحريري الى بيروت، والثاني ما هو مصير الوضع الحكومي في حال عودته؟
في تقدير المصدر الوزاري انه ليس من المستبعد ان يذهب النظام السعودي نحو مزيد من الابتزاز والمماطلة للافراج عن الحريري، ويقول انه في حال عودة رئيس الحكومة خلال الساعات المقبلة توضع عندها الامور على سكة المعالجة الدستورية اولاً، ولكن في حال استمرار احتجاز رئيس الحكومة فالاتجاه هو ان يذهب رئيس الجمهورية نحو مخاطبة الامم المتحدة، ومجلس الامن بالتوازي مع الجولة الخارجية التي يقوم بها وزير الخارجية جبران باسيل، ومع المبادرة التي تعدّ له السلطات الفرنسية.
واما في حال عودة رئيس الحكومة بحسب ما اعلن في المقابلة، فعندها سيطلع رئيس الجمهورية على الحيثيات التي رافقت الاستقالة، الا ان المصدر الوزاري يعتقد ان هناك صعوبة بعودة الحريري عن استقالته حتى لو افرجت السلطات السعودية عن عائلته، على اعتبار انه لا يستطيع الخروج من تحت «العباءة» السعودية خصوصاً مصالحه الاستثمارية والمالية ستتعرض لنكسة كبيرة، وحتى المصادر من قبل النظام السعودي اذا ذهب باتجاه مخالفة ما طلبت منه بما يتعلق بالحملة ضد حزب الله.
وعلى هذا الاساسي، يرجح المصدر في حال عودة الحريري، ان يقبل رئيس الجمهورية الاستقالة تمهيداً لاجراء مشاورات نيابية لتسمية رئيس حكومة جديد بحيث يتوقع ان يعاد تسمية الحريري دون ان يتمكن الاخير من تشكيل حكومة جديدة، لان طبيعتها ستكون حكومة سياسية جامعة وبالتالي لا يمكن تشكيل هذه الحكومة من دون حزب الله، ما يعني ان حكومة تصريف الاعمال ستستمر حتى الانتخابات النيابية.