لنفترض أن صورة الميدان في سوريا لمصلحة المعارضة، ولو كانت هذه المعارضة تتمثل بأكثر التنظيمات راديكالية، هل كان مسموحاً للرئيس سعد الحريري أن ينأى بنفسه، ويقبع في بيت الوسط، يتابع عبر الشاشات تطور الأحداث؟
قناعتنا المطلقة، وقد عاينّا التفاصيل على الأرض، ولاحظنا مدى الايقاع الجنوني لفصائل سورية كانت تدار من قبل «الاخوان المسلمين»، قبل أن يتبعثر المشهد لتعدد المرجعيات وتناقض مراميها، أنه لو تسنى لمحور القصير ـ عرسال تنفيذ الخطة الموضوعة لتم الاستيلاء على كل مناطق البقاع، ومن أقصى الشمال الى أقصى الجنوب.
هل كان توقف المد المغولي هناك، أم صعدت الجحافل الى الشمال، حيث كانت السيطرة على الثغر البحري في طرابلس تعني أن المناطق اللبنانية ستسقط الواحدة تلو الأخرى؟ تالياً، كانت الصراعات الايديولوجية تعني
تحول المشرق العربي الى مستنقع للنيران.
من يدرك الحساسية الجيوستراتيجية للمرتفعات اللبنانية، لا بد أن يتوجس من الاحتمالات، في ظل التأجيج الطائفي بكل مظاهره الوحشية.
كان الوضع مريعاً بماتعنيه الكلمة. لعلكم تذكرون قول قطب سياسي بارز، لا يعنيه سوى سقوط النظام السوري أياً كان البديل «... ليحكم الاخوان المسلمون». استطراداً جدلياً، ليحكم أبو بكر البغدادي.
كان لبنان عبارة عن جمهورية من الخزف. الخلايا تنتشر في أكثر المناطق لتكون جاهزة في اللحظة التي تقرع فيها الأجراس للرايات السوداء.
قوى لبنانية أوغلت في مد المعارضة بالمساعدات على أنواعها. عبر حدودنا كانت تصل الأسلحة والأموال الى الداخل السوري. اذا كنا نذكر توجّه أحد النواب للتنسيق مع الاستخبارات التركية لتأمين ربطات العنق، وزجاجات العطر، وأحذية ايف سان لوران، وربما الملابس الداخلية توقيع نينا ريتشي، لـ«الثوار».
بعد اعلان بعبدا، هل «حزب الله» وحده هوالذي رمى بالاعلان جانباً، وهو الاعلان الذي لا يعدو كونه مظهراً من المظاهر الفولكلورية التي كانت تسود في أروقة القصر. ولنتصور أن الحزب نأى بنفسه، عن السفوح والأودية، هل كانت هناك من ضمانة بأن فصائل المعارضة ستبقى عند خط الحدود أم أنها ستنقض على الداخل اللبناني لتقتلع الحزب من جذوره، بل ولتقتلع الأهالي من مدنهم وقراهم ليحل محلهم الشيشان والأوزبك والأيغور وغيرهم وغيرهم ؟
الرئيس الحريري دعا، في الحديث التلفزيوني، للعودة الى مبدأ «النأي بالنفس». لا نتصور أن هذا كلامه. بدا منهكاً، وبلغة شاحبة، في حين كانت أوساط ديبلوماسية، وسياسية، تتحدث عن تعرضه لتهديدات جعلته يعيش داخل حالة من الرعب منذ أن وطأت قدماه أرض المطار.
في الرياض، كان هناك من يردد «اذا كان ميشال عون يعتبر أن قضية سلاح «حزب الله» ترتبط بمسار أزمة الشرق الأوسط، فان تشكيل حكومة في لبنان يرتبط بالمسار ذاته.
الثابت أن المواقف الدولية حدّت من هيستيريا البلاط، وبعدما خيّل للأمير محمد بن سلمان، أو صحبه، أن الرئيس اللبناني سيرفع الرايات البيضاء ترحيباً بالرايات السوداء.
ثمة من يؤكد أن ما جعل اللهجة تتراجع قيام جهة لبنانية، وبطلب من رئيس عربي، بوساطة تحمل الحوثيين على التوقف عن اطلاق الصواريخ الباليستية على المدن السعودية، بعدما كان أحد تلك الصواريخ قد أحدث موجة من الذعر لدى أهل السلطة خشية أن تستشري الفوضى في أرجاء المملكة في هذه الظروف الحساسة، وحيث الأمير الشاب يستعد للقفز الى العرش.
اذا عاد الرئيس الحريري، وسيعود، لن تكون العودة عن الاستقالة، بل لا بد من اللعب الذي قد يستغرق أشهراً الا اذا نجحت المساعي الأوروبية في اعادة تعويم التسوية، وان مع بعض اللمسات الشكلية، أواذا نجح الروس، وآخرون، في بلورة تصور للحل في اليمن بعدما بات المشهد أكثر تعقيداً بكثير مما كان عليه في بدايات الحرب. ماذا اذا علمنا أن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون سأل كبار المسؤولين السعوديين الذين التقاهم «لماذا تريدون لـ«حزب الله» أن يعود من سوريا ما دام يقاتل تنظيم «داعش» هناك؟». لا ندري ما كانت الاجابة. هذا السؤال موجه الى الرئيس سعد الحريري. قد يقول «مشكلتي كسعودي مع «حزب الله» في اليمن، لا في سوريا التي باتت في أيد أخرى».
النأي بالنفس لا يعني النأي عن النفس...