البروفسور الأب يوسف مونس


ليلة الميلاد انام على الثلج في الميدان لارسم مع رفاقي طريقاً ليسوع القادم الى مغارة كنيسة السيدة كي لا يخطئ دربه في ذلك الليل الذي يكسر فيه الثلج اغصان الصنوبر ويجعل الانهار والينابيع تتدفق بلون احمر بسبب جرف التراب فصار الاسم نهر الدم والمياه تهدر كأصوات هديل الحمام فصار الاسم بير الحمام واتت ايام الكسليك ونهم القراءة والكتابة والمعرفة واللقاء مع اساتذة كبار أثروا فيّ واشعلوا في قلبي وعقلي وحياتي حب الثقافة والحضارة مع ممارسة الرياضة خاصة ف لعبة كرة السلة وتأسيس فرقة الكسليك المسريحة وتقديم اجمل المسرحيات بمناسبة الاعياد. ثم السفر الى اوروبا الى جامعة ستراسبورغ والتخصص والحصول على شهادة الدكتورة بعلم الانتربولوجيا وعلم الاجتماع الديني والفلسفة وعودة الى لبنان للادارة والعمادة وتأسيس الكليات ورئاسة جامعة الكسليك وتفريعها ونقلها الى نظام  الوحدات.
وكان التدريس الجامعي بين الجامعة اللبنانية وجامعة الروح القدس في الكسليك الهم الاول في حياتي مع العمل في الاعلام في امانة سر اللجنة الاسقفية لوسائل الاعلام الجو الفكري والفلسفي والسياسي توصف به ايديولوجيات الجدلية المادية وعاصفة الاحادية العربية والانصهارية الاتنية والانتربولوجية والفكرية والفلسفية والحضارية وكنت انا متأثراً بميشال شيحا ورينه حبشي وكمال الحاج وجواد بولس والشخصانية الوجودية المسيحية مع امانويل مونييه، وجنكيلوفتش ولوسن وغابريل مارسل وبول ريكور وموريس ندوسيل.
اطرح نظرية التعدد الثقافي والتنوع الديني والحضاري وكنت ارفض ان يبعد الارمن او الدروز او الشيعة واي مكون من مكونات الوجود اللبناني وطمس شخصيته ومسح ومحو تراثه وغناه الحضاري ضمن احادية عربية كانت في اساسها متنوعة ومتعددة مع الغساسنة والمناذرة في عمق الجزيرة العربية. في البداية رفضت هذه النظرية وهوجمت وارادوا تدميرها، وها هي اليوم اساس مسألة لبنان التنوع والتعدد واحترام وحب الاغتناء بالاخر المختلف، المغاير، المميز.
وتأثرت كثيراً بمار بولس واغوسطينوس واباء الكنيسة والشعر الملحمي الميثولوجي وطبعت اسرار الفصول وتحولات الطبيعة ومرور الطيور المهاجرة ورحيل الناس والايام واشتريت الاراضي حول الجامعة واطلقتها الى العالم الاوروبي والعربي.
ويوم تركت الجامعة ذهبت لاعيش في انطش مار يوحنا مرقس جبيل حيث رحب بي صديق العمر الدائم حضرة الاب الرئيس يوحنا وهبه الحبيب الذي اكرم وجودي مع بقية اخوتي الرهبان هناك حيث انصرفت الى الخدمة الكهنوتية الرعوية في كاتدرائية مار يوحنا مرقس الرائعة ورعيتها الحية واهلها الاحباء.
وبقيت ازاول عملي في مكتب في جل الديب في المركز الكاثوليكي كأمين سر للجنة الاسقفية لوسائل الاعلام متابعاً ايضاً برامجي التلفزيونية في تلفزيون لبنان وتيلي لوميار خاصة البرنامج الذي اسسته: «يوم الرب».
ثم انتقلت للسكن في الاشرفية في بيروت في دير مار انطونيوس الكبير ورعيته الرائعة حيث يأتي اليها اولادها عبر شوارع الاشرفية حاملين مسابحهم بأيديهم يصلونها في وسط بيروت وفي شوارعها.
وبين جرس دير ورعية كنيسة مار انطونيوس الكبير في السوديكو ومئذنة جامع بيضون واجراس بقية الكنائس المحيطة بنا سكرت بجو من الصلاة والحضور الالهي في قلب بيروت عاصمة وطني لبنان بسحرها وتنوعها وجمالها الذي لا تجده في اية حاضرة من حواضر المتوسط. ويوم كان الرئيس سركيس في رئاسة الجمهورية رافقته كما رافقت الشهيد الرئيس الشيخ بشير الجميل والجبهة اللبنانية ولجنة البحوث في الكسليك.
وفي النهاية تممت سعي وخدمتي وحان وقت رحيلي اليك فيا الهي اشكرك واباركك لانك باركتني واغدقت عليّ مواهبك ونعمك، فبماذا أكافئك عن كل ما وهبتني واعطيتني الا ان اقول لك اشكرك وارفع قلبي ويدي بخوراً وقرباناً لتسبيح نعمك الكثيرة علي. وها انا يا الهي حاضر لاعبر الى قربك الى الجهة الاخرى ادعني وها انذا آتي اليك والسكن قربك وحسبي ان اجلس على اعتابك ويحترق قلبي واعرف انك قريب، قريب مني كما كنت معي طوال سني هجرتي على هذه الارض احمل معطوبيتي وجراحي وشفائي بنعمة منك وبشفاعة مار شربل.