فكرة الـ BLACK FRIDAY بمعناها التجاري والتسويقي لم تكن رائجة عندنا في لبنان، وهي بدأت تتسلل إلى منظومة عادتنا المستوردة مع تطور المجتمع وتحّوله تدريجياً من مجتمع منتج إلى مجتمع إستهلاكي، مع ما لهذا التطور من سلبيات بدأت تغزو مجتمعاتنا، فتحّول مثلاً عيد الميلاد بما فيه من معانٍ خلاصية إلى مجرد "بابا نويل" آت من القطب الشمالي وعلى ظهره كيس من الهدايا التي تكفي لجميع أطفال العالم.


وكذلك تحّول يوم تذكار الموتى، حيث تقام الصلوات عن أرواح موتانا، إلى مسخرة تُسمّى Halloween، مع ما في هذه الإحتفالية من بشاعة وجوه.


أما عيد القيامة فأختصر بتزيين بيض العيد بألوان زاهية ودجاجات وصيصان وارانب من كل الأصناف والأشكال.


هكذا وبكل بساطة وخفّة تحوّلت المعاني الروحية للأعياد إلى مجرد إعلانات تسويقية وأصبحت متلازمة مع ما في يومياتنا من سرعة وسطحية.


ولأن الناس تعيش في ضائقة مالية مترابطة الحلقات، وفي أزمات متتالية وموصولة بدورة إقتصادية مقفلة، أصبحوا ينتظرون ما يُعرض عليهم في الأسواق التجارية من عروضات مغرية، يُعتقد أنها تأتي للتعويض عن نقص في إمكانية التبضّع عندما تكون الأسعار مرتفعة، وهي أصبحت من دون حسيب أو رقيب.


ولأن الـ BLACK FRIDAY أصبح موعدًا سنويًا ينتظره المستهلكون بالصّف، أضيف همّ زحمة السير أمام المحلات التجارية إلى ما عداها من هموم يومية، بحيث بات هذا الهمّ يُحسب له ألف حساب في التنقلات بين منطقة وأخرى، مع ما فيها من مشقّة ومن حرق للأعصاب والطاقة.


قد تكون هذه الفكرة التسويقية مفيدة للمستهلك والتاجر في آن، ولكنها تتطلب مواكبة من قبل المنظمين ومن قبل شرطة البلديات وقوى الأمن الداخلي، بحيث لا يتحّول هذا اليوم إلى جحيم له أول وليس له آخر، وإلى معاناة لا يجد المرء لها أوصافًا يعبّر فيها عن نقمته، مع ما يرافق هذه العجقة من إستحضار كل أنواع السباب والشتائم، التي لا تنجو الدولة وأجهزتها من شظاياها.


فرحمة بأعصاب من لم تعد تنفع معهم كل المهدئات لا تجعلوا من هذا اليوم يومًا، كما فعلتم بالأمس، أسود بإمتياز، وهو الذي يُضاف في الذاكرة الجماعية للبنانيين إلى الأيام السود، من أثنينها إلى سبتها، مع ما رافق هذه الأيام من مآسٍ وويلات "تنذكر وما تنعاد".


فكل يوم جمعة وانتم بخير، على أمل أن تكون ما بعده من أيام بيضاء، فنقول "هلا بالجمعة البيضاء".

اندريه قصاص - "لبنان 24"