كثيرون هم من عايشوا الأزمات السياسيّة الحسّاسة في لبنان وكان لهم دوراً أساسياً في علاجها، فمنهُم من جنّد علاقاته الدولية في سبيل حماية لبنان ومنهم من ارتضى الوقوع في لعبة المحاور للحصول على دعم من هنا وهناك، وحده نجيب ميقاتي في تلك المرحلة نزل باللحم الحيّ على الأرض، وترأس حكومتين في أحلك الظروف الأمنية والسياسية كاشفاً صدره للسهام من كل الأطراف إنقاذاً للبلد. 

يتربّع "ميقاتي" في هذه الأيام على وابل من الملفّات الدسمة التي شكلت في مرحلة ما منصّة للقصف المركّز عليه من قبل خصومه السياسيين، أما اليوم فقد بات بعضها مطلباً وطنياً و إقليمياً بل دولياً أيضاً. والمصطلح الأول الذي يخطر في البال عند الحديث عن "الملفات الميقاتية" هو "النأي بالنفس"، هذا المصطلح الشهير الذي اجترحه "الرئيس الصبور" في مرحلة حساسة و دقيقة جداً من تاريخ لبنان عرّضهُ للكثير من الإنتقادات حتى من الأفرقاء المتخاصمين، فتيار المستقبل وعلى رأسه الرئيس سعد الحريري رأى بهذا الطرح في حينها ما يشبه الخيانة "للثورة السورية" قائلا في إحدى إطلالاته الإعلامية الشهيرة من باريس "موضوع النأي بالنفس أنا لا أنأى بنفسي، الرئيس ميقاتي صحتين عقلبو أنا موقفي واضح فيما يخص الثورة السورية"، أما خصوم الحريري في حينها فقد اعتبروا أيضاً بأن هذا المبدأ يعني مهادنة المجموعات التكفيرية!

يتابع الشمالي العتيق الأحداث السياسية بصمت، فلا يصرّح إلا عند الحاجة فيطلق بعضاً من "وسطيته" المعهودة عبر صفحته الخاصة على "تويتر" دون الحاجة إلى حشد وسائل إعلام و صحافيين وبث مباشر كحال الكثيرين من مسؤولي هذا البلد، تغريدات تحمل في طياتها الكثير من الكبر السياسي البعيد عن خطاب الزواريب وتجميع الأصوات الإنتخابية، بحيث كان أول من أدان تعرّض الرئيس الحريري للرشق بالمياه في إحدى تظاهرات المجتمع المدني رغم أن أنصار الحريري رأوا بيوم من الأيام في ميقاتي هدفاً مشروعاً يوم "غزوة السراي الكبرى".

اليوم ومع دخول البلاد مرحلة الإستقالة ثم "التريث" المنقّح برائحة العودة عنها بدأ يطفو الحديث مجدداً عن النأي بالنفس ومن أكثر من كانوا يعارضونه بشدّة في السابق، بل واتّسعت هوّة الدّاعين إليه لتشمل بلداناً عربية وعواصم قرار عالمية كانت قد دعت إلى تحييد لبنان عن محيطه الملتهب، ومرة جديدة فإنّ من انتظر من "ميقاتي" إظهار سياسة "إشفاء الصدور" خاب أمله مجدداً مع الموقف الأخير الذي أكّد من خلاله على دعم الرئيس سعد الحريري في هذه المحنة مبدياً حرصه العميق على موقع رئاسة الحكومة أيا يكن الشخص الذي يشغل هذا المنصب، رافضاً في الوقت نفسه الفرصة الذهبية المتمثلة بالإرباك الكبير الحاصل داخل تيار المستقبل في هذه المرحلة اي قبل الإنتخابات النيابية وأهمها ما يحكى عن "نفضة تنظيمية" باتت تلوح في الأفق و بدأت تطفو على السطح، وهو ما عبّر عنه أمس صراحة مستشار الرئيس سعد الحريري الوزير غطاس خوري بقوله بأن داخل تيار المستقبل "كتيبة تقارير" تتعمّد الأذى للحريري مستطرداً أكثر عبر قوله بأن "من يقف وراء محاولة الإنقلاب على الحريري هم أشخاص قالوا إنهم مع هذا الاتجاه أكان في البلد أو خارج البلد"، ورغم كل ما سلف فقد تعالى "ميقاتي" و ارتقى بنفسه و تياره فوق كل ما ذُكر ولم يعمد بالإجهاز على خصمه السياسي وبان بمظهر الواثق من تياره تنظيميا دون أدنى حاجة إلى استغلال الخلافات التنظيمية توسيعا لانتشاره.

يُصرّ "ميقاتي" بحسب مقرّبين منه بأنه لا خلاص للبنان سوى بالوسطية وهو الذي رفض ترشيح نفسه للإنتخابات النيابية عام 2005 أثناء ترؤسه للحكومة وذلك في خطوة غير مسبوقة في الحياة السياسية اللبنانية ضماناً منه للحياد، وسطية بنى من خلالها ميقاتي موقعاً خاصاً لنفسه ومن يريد اللّحاق به "فأهلا و سهلا"، فالتاريخ لن يرحم حتماً من ارتضى يوماً لنفسه بأن يكون تحت رحمة الخطاب المتطرّف يوم كادت أن تسيل الدماء في لبنان وفي الشمال تحديداً لو لم "ينأى" ميقاتي بحكمته في حينها بأنصاره عن النزول إلى الشارع.

("ايناس كريمة ـ "لبنان 24)